رسالة مفـ.ـتوحة إلى قـ.ـنديل ..

فريد محمد سعيد
لا أكتب هذه الرسالة لأدافع عنكِ فالتاريخ لا يحتاج إلى محامين، ولا أكتبها لأطلب رضا أحد، بل أكتبها احترامًا للحقيقة كما أراها، لأن أكثر ما يؤلمني اليوم ليس اختلاف الآراء، وإنما الجحود.
إن الأمم لا تسقط عندما تُهزم في معركة، بل عندما تنكر من صنع لها القدرة على خوض المعركة أصلًا.
على امتداد نصف قرن، لم تكن قنديل مجرد بقعة جغرافية أو عنوانًا لتنظيم، بل كانت – في قناعتي – المدرسة التي أعادت إحياء الروح الوطنية الكردية بعدما حاولت عقود من الإنكار أن تجعل الكردي يعتذر عن لغته، وعن اسمه، وعن وجوده. لقد أعادت للإنسان الكردي ثقته بنفسه، ورسخت فيه أن الانتماء ليس تهمة، وأن الدفاع عن الهوية ليس جريمة، وأن الأمة التي تفقد روحها الوطنية تفقد مستقبلها قبل أن تفقد أرضها.
ولولا ذلك المسار الطويل، لما انتقل شعبنا من مرحلة كان فيها مجرد الاعتراف بوجوده محل إنكار، إلى مرحلة يمتلك فيها إدارة، ومؤسسات، وتنظيمًا، وقوةً تحمي إرادته. إن الانتقال من الفناء السياسي إلى الوجود المنظم لم يكن حدثًا عابرًا، بل ثمرة مشروع طويل دفع أثمانه رجال ونساء آمنوا بأن الوجود لا يُمنح، بل يُنتزع بالصبر والتضحية.
وعندما انطلقت ثورة روج آفا، لم يكن النهج الثالث خيارًا اضطراريًا، بل كان، في نظري، أكثر الخيارات حكمةً وبعد نظر. ففي الوقت الذي ارتهن فيه كثيرون لمشاريع الآخرين، اختارت روج آفا أن تجعل مصلحة مجتمعها فوق كل الاصطفافات. وقد وجدت هذه الاستراتيجية في قنديل سندًا حقيقيًا، فكان الدعم السياسي والفكري والعسكري أحد الأسباب الرئيسية التي مكّنت هذا النهج من الصمود وحماية الوجود الكردي في أصعب الظروف.
واليوم، تكفي نظرة واحدة إلى واقع من اختاروا الارتهان للمعارضة حتى تتضح قيمة ذلك الخيار.
فمن كانوا يتحدثون باسم القضية الكردية من موقع القوة، انتهى بهم الأمر يلهثون خلف أي منصب شكلي، ولو كان بلا صلاحيات أو تأثير، بعدما تراجع سقف خطابهم الوطني إلى حدود البحث عن مكان داخل مشاريع الآخرين. أما روج آفا، فرغم كل التحديات، بقيت صاحبة قرارها لأنها تمسكت بالنهج الذي حمى إرادتها قبل أن يحمي أرضها.
ولم يكن ذلك ممكنًا لولا منظومة الحماية والدفاع التي تشكلت عبر سنوات طويلة من الإعداد والتضحية. هذه المنظومة لم تكن قوة عسكرية فحسب، بل كانت الضمانة التي حفظت أمن روج آفا واستقرارها، وأفشلت كل المحاولات التي استهدفت القضاء على تجربتها. ولو سقطت هذه المنظومة، لما بقي مجال للحديث عن إدارة، أو مؤسسات، أو حقوق، أو حياة سياسية أصلًا.
وحين نتحدث عن هذه التضحيات، فإن الوفاء يفرض علينا ألا ننسى أن عددًا كبيرًا من الذين افتدوا روج آفا بأرواحهم، وجاؤوا ليقاتلوا دفاعًا عنها، كانوا من قنديل. لقد امتزجت دماؤهم بتراب هذه الأرض، ولم يسألوا يومًا: من أي مدينة أنت؟ أو من أي منطقة جئت؟ كانوا يرون أن الدفاع عن روج آفا هو دفاع عن كرامة الشعب الكردي بأكمله.
لهذا، فإنني أستغرب ممن يحمّل قنديل مسؤولية خسارة مرحلية هنا أو تراجع مؤقت هناك. لأن مجرد مطالبتك لقنديل بتحمل مسؤولية الخسارة، هو اعتراف ضمني بأنها كانت صاحبة الدور الأكبر في تحقيق الانتصارات التي سبقتها. فلا يُحاسَب على النتائج إلا من كان شريكًا في صناعة الإنجازات، ولا يُعاتَب إلا من كان حاضرًا يوم غاب الآخرون.
إن الشعوب التي تنكر منبع قوتها، وتتنكر للمصدر الذي استمدت منه قدرتها على البقاء، هي شعوب تحكم على نفسها بالضعف والزوال. فمن يقطع جذوره، لا يستطيع أن يطالب الشجرة بأن تبقى واقفة. ومن ينسى من أين بدأ، لن يعرف إلى أين ينتهي.
وأخيرًا… أعتذر إليك يا قنديل…
ليس لأنك بحاجة إلى اعتذاري، بل لأن بين أهلي من نسي أن الذاكرة ليست خيارًا، وأن الوفاء ليس موقفًا سياسيًا، بل قيمة أخلاقية.
أعتذر لأن بعض السفهاء يظنون أن التاريخ بدأ يوم فتحوا هواتفهم، وينسون أن هناك من أمضى ستةً وأربعين عامًا يقاتل من أجل أن يصبح للكردي اسمٌ لا يُخفى، وهويةٌ لا يُعتذر عنها، ورأيٌ لا يُدفن في السجون.
والمفارقة التي قد لا يدركها ذلك السفيه، أن جرأته على الإساءة إليك هي في ذاتها إحدى ثمار النضال الذي أنكره.
فلولا تلك العقود الطويلة من التضحية، ولولا من أعاد للكردي ثقته بنفسه، وربط الإنسان بهويته وقوميته وقضيته، لما عرف ذلك السفيه أصلًا ماذا تعني كلمة “كردي”، ولا ماذا تعني الهوية، ولا امتلك الجرأة ليعلن رأيًا، مهما كان سفيهًا.
إن من وُلد في ظل مكتسباتٍ صنعها المناضلون والثائرين، يظن أن الحرية أمر طبيعي، ولا يدرك أن هناك من دفع عمره ودمه حتى تصبح تلك الحرية واقعًا.
ولذلك، فإن وجود السفهاء لا ينتقص من قيمة التجربة، بل يؤكد عظمتها؛ لأن أعظم الانتصارات هي تلك التي تمنح حتى جاحدها حق الكلام.
أما التاريخ، فلا يكتبه من يرفع صوته، بل من صنع الظروف التي جعلت ذلك الصوت ممكنًا أصلًا.
وهنا، يصبح من الضروري أن نتوقف عند معركة الذاكرة التي يخوضها شعبنا اليوم؛ فالأخطر ليس فقط محاولات محو التاريخ، بل محاولات إعادة كتابته بطريقة تُفرغ التضحيات من معناها، وتُقصي دور المناضلين، وتُقدّم الإنجازات وكأنها جاءت صدفة أو بقرار إداري، لا بدماء آلاف الشهداء. إن من يملك الذاكرة يملك القدرة على تحديد من هو البطل ومن هو الطارئ، ومن هو صاحب الفضل ومن هو الذي جاء بعد أن أصبح الطريق ممهدًا.
وفي ظل هذا الواقع السياسي المعقد، تتصارع القوى الإقليمية والدولية على النفوذ في المنطقة، وتُمارس ضغوطًا هائلة على أي قوة كردية تمتلك استقلالية قرارها. ولذلك، فإن استهداف قنديل ليس مجرد نقد سياسي، بل محاولة لقطع العمود الفقري الذي يمنح الحركة الكردية توازنها وقوتها. إن الهجوم على قنديل اليوم هو جزء من مشروع أكبر: مشروع تفكيك كل ما يجعل الكرد قادرين على الدفاع عن أنفسهم، سواء عبر ضرب المؤسسات أو تشويه الرموز أو خلق الانقسامات الداخلية.
والجيل الجديد الذي وُلد بعد 2012 يعيش واقعًا لم يكن متاحًا لآبائه: إعلام كردي، مؤسسات كردية، قوة عسكرية كردية، لغة تُدرّس، وراية تُرفع. لكنه لم يعش سنوات القمع، ولم يعرف معنى أن تكون الهوية جريمة، ولذلك قد يظن أن ما يعيشه اليوم أمر طبيعي. إن الحرية التي لا يُعرف ثمنها تتحول إلى حرية بلا مسؤولية، وإلى رأي بلا جذور، وإلى نقد لا يعرف حدوده ولا يدرك ما الذي يحميه.
ومن المهم أن يفهم القارئ أن العلاقة بين روج آفا وقنديل لم تكن يومًا علاقة تبعية، بل علاقة تكامل بين ساحات نضال مختلفة توحّدها القضية نفسها. قنديل لم تفرض نفسها على روج آفا، بل روج آفا هي التي طلبت الدعم حين كانت مهددة بالزوال. والقوة التي جاءت من قنديل لم تكن قوة غريبة، بل امتدادًا طبيعيًا لحركة نضالية واحدة عبر عقود.
وما يخفيه الواقع ليس الأسرار، بل الحقائق الواضحة التي يرفض البعض رؤيتها: أن القوى الدولية لا تمنح أحدًا الحرية مجانًا، وأن كل مكسب كردي هو مؤقت ما لم يُحمَ بقوة ذاتية، وأن الانقسام الداخلي أخطر من أي عدو خارجي، وأن الهجوم على قنديل اليوم هو تمهيد للهجوم على كل ما تبقى من قوة كردية غدًا، وأن من يهاجم المناضلين اليوم سيجد نفسه بلا سند حين تتغير الظروف الدولية كما حدث عشرات المرات سابقًا.
والحقيقة القاسية التي يجب أن تُقال بلا مجاملة: الحرية التي لا تُحمى تتحول إلى ذكرى. والتاريخ يُظهر أن الشعوب التي تعتمد على الآخرين لحمايتها، تفقد كل شيء حين تتغير مصالح أولئك الآخرين. ولذلك، فإن الحفاظ على المكتسبات لا يكون بالشعارات، بل بالاعتراف بمن صنعها، وبالوقوف إلى جانب القوى التي دفعت ثمنها، لا القوى التي ظهرت بعد أن أصبح الطريق معبّدًا.




