الشيخ سعيد پيران .. العالِم الذي تحوّل إلى رمزٍ للمقاومة الكردية

كاوه عبان
سفير فوق العادة لمنظمة أمسام الأممية
ليس جميع القادة يصنعهم السلاح، ولا جميع الثورات تبدأ من ساحات القتال؛ فهناك رجال يصنعهم الإيمان، وتصوغهم المبادئ، وتخلّدهم التضحيات، ومن بين أبرز هؤلاء في التاريخ الكردي الحديث يبرز اسم الشيخ سعيد پيران، العالِم الديني، والمرشد النقشبندي، والقائد الذي ارتبط اسمه بإحدى أهم المحطات المفصلية في تاريخ الشعب الكردي خلال القرن العشرين.
لقد أصبح الشيخ سعيد پيران رمزاً تتقاطع عنده الهوية الوطنية مع القيم الدينية، وظلت سيرته حاضرة في الذاكرة الكردية بوصفها قصة قائد آمن بقضيته حتى اللحظة الأخيرة من حياته،، فواجه أقوى دولة في المنطقة بإرادة لم تنكسر، وترك وراءه إرثاً ما يزال محل دراسة ونقاش بين المؤرخين والباحثين.
النشأة والتكويــن:
وُلِدَ الشيخ سعيد پيران نحو عام 1865 في قرية پيران التابعة لمنطقة آمد في شمال كردستان، ونشأ في أسرة علم ودين، فتلقى العلوم الشرعية والفقهية والتصوف، وأصبح أحد كبار شيوخ الطريقة النقشبندية وأكثرهم تأثيراً في المجتمع الكردي، ولم يكن نفوذه مقتصراً على الجانب الديني؛ بل امتد ليشمل الإصلاح الاجتماعي، وحل النزاعات بين العشائر، مما أكسبه احتراماً واسعاً بين مختلف القبائل والمناطق.
مرحلة التحولات الكبـــرى:
بعد انهيار الدولة العثمانية، وتأسيس الجمهورية التركية عام 1923، شهدت المنطقة تغيرات سياسية واجتماعية عميقة؛ تمثلت في بناء دولة مركزية جديدة تبنت إصلاحات علمانية واسعة من بينها إلغاء الخلافة العثمانية، وإغلاق التكايا والزوايا، والحد من الدور التقليدي للمؤسسات الدينية. وفي الوقت نفسه واجه الكرد سياسات هدفت إلى تعزيز الهوية الوطنية التركية، وهو ما أثار اعتراضات سياسية واجتماعية لدى شرائح مختلفة من المجتمع الكردي.
ثورة عـــام 1925:
في الثالث عشر من شباط عام 1925 اندلعت الثورة بقيادة الشيخ سعيد پيران من منطقة پيران، وسرعان ما امتدت إلى آمد وبنگول وموش وإلازغ، وعدد من المدن والبلدات الكردية؛ لتصبح أول انتفاضة واسعة النطاق في مواجهة الجمهورية التركية الحديثة. وتمكن الثوار الكرد خلال أيام قليلة من السيطرة على عدد من المناطق، قبل أن تتدخل القوات الحكومية بقوة كبيرة مدعومة بالطيران والمدفعية.
بين الدين والقوميــة:
تُعد دوافع ثورة الشيخ سعيد من أكثر القضايا التي جاءت دفاعاً عن الإسلام، ورفضاً للإصلاحات العلمانية التي أعقبت إلغاء الخلافة. وأیضاً أنها كانت تعبيراً عن تطلعات قومية كردية للمطالبة بالحقوق السياسية والقومية للکرد في سياق المرحلة التاريخية، حيث امتزج الدافع الديني بالشعور القومي لدى كثير من المشاركين في الثورة.
نهاية الثـــورة:
ورغم اتساع رقعة الثورة؛ فإن التفوق العسكري للحكومة التركية، إلى جانب استخدام قوات كبيرة، وإعلان الأحكام العرفية أدى إلى تراجع قوات الشيخ سعيد تدريجياً، وفي نيسان 1925 أُلقي القبض عليه، ثم أُحيل إلى محكمة الاستقلال في آمد؛ التي أصدرت بحقه حكماً بالإعدام. وفي التاسع والعشرين من حزيران عام 1925 نُفِذَ الحكم شنقاً بحقه مع عدد من رفاقه، لتنتهي الثورة عسكرياً، لكنها بقيت حية في الذاكرة التاريخية.
إرث خالد في الوجدان الكردي:
لم يكن إعدام الشيخ سعيد نهاية لقضيته بل بداية لتحوله إلى رمز تاريخي، فقد بقي اسمه حاضراً في الأدبيات الكردية، وفي الدراسات التاريخية، وفي الذاكرة الشعبية بوصفه أحد أبرز قادة المقاومة الكردية في القرن العشرين، وتُحيى ذكراه سنوياً لدى الكثير من الكرد باعتباره شخصية جمعت بين القيادة الدينية، والتأثير الاجتماعي، والموقف السياسي، والنظال من اجل القضية الكردية.
أثره في مسيرة القضية الكردية:
شكلت ثورة الشيخ سعيد نقطة تحول في تاريخ القضية الكردية؛ إذ أسهمت في إعادة تشكيل الحركة السياسية الكردية في العقود اللاحقة، وأصبحت مرجعاً لكثير من الحركات والتنظيمات التي ظهرت بعد ذلك. كما دفعت أحداثها الدولة التركية إلى تبني سياسات أمنية وتشريعية أكثر تشدداً تجاه المناطق الكردية في شمال كردستان، وهو ما ترك آثاراً بعيدة المدى على العلاقة بين الدولة والمجتمع الكردي.
خاتمــة:
يبقى الشيخ سعيد پيران رمزاً للنضال الكردي، وواحداً من أكثر الشخصيات تأثيراً في التاريخ الكردي الحديث. فقد جمع بين العلم الشرعي والقيادة المجتمعية والشجاعة في الدفاع عن مبادئه عن القضية الكردية، وفدى بحياته من أجل روح القضية الكردية؛ بحيث يُنْظَرُ إليه من جميع الزوايا الدينية و القومية، والتاريخية، فإن اسمه ما يزال يمثل محطة أساسية لفهم تطور القضية الكردية، والتحولات السياسية التي شهدتها المنطقة في القرن العشرين. ويظل رمزاً للتضحية والثبات في ذاكرة أجيال متعاقبة من أبناء الشعب الكردي.



