مقالات رأي

حين تتحول السـ.ـياسة إلى تشـ.ـويه: قراءة في الهـ.ـجوم على آلدار خليل وخلفياته.

• عبد الفتاح صالح/ كاتب كردي.

انطلاقاً من ملاحظة متكررة خلال فترة تتجاوز السنة والنصف، ومع كل خبر أو تصريح أو حتى تعليق يتناول القيادي الكردي آلدار خليل، برزت بوضوح حدة غير عادية في الهجمات الإلكترونية الموجهة ضده واستعرت منذ بداية العام الحالي بشكل ملحوظ. قمت بمتابعة عدد من التعليقات والصفحات بدافع الاستطلاع، فتبين أن جزءاً منها يحمل نقداً وطنياً مشروعاً نابعاً من حرص أو غيرة سياسية ومقترحات للقيادي خليل بوصفه يمثل منظومة سياسية وليس شخصاً، إلا أن اللافت كان الحجم الكبير من التعليقات السلبية التي تبدو أقرب إلى حملة منظمة وممنهجة أكثر من كونها مجرد آراء فردية.

ومع التدقيق في بعض الحسابات ومحتواها وزيارة صفحات أصحابها، بدا أن عدداً منها يرتبط بوضوح بتيار البارزاني، بل إن بعضها يعكس مؤشرات على وجود توجيه أو تنسيق في أسلوب الطرح والتكرار والاتجاه. ومن باب الحرص على وعي القارئ، وخاصة فئة الشباب والمهتمين بالشأن الكردي، ومن أجل تسليط الضوء على كيفية إعادة إنتاج الروايات وتدوير الحقائق في الفضاء الرقمي، وجدت من الضروري تناول هذا الموضوع بالتحليل والقراءة، انطلاقاً من مسؤولية أخلاقية وسياسية تفرضها خطورة التضليل، وضرورة تعزيز الوعي النقدي وعدم ترك العقول عرضة للتوجيه من قبل أطراف ذات أجندات ومصالح ضيقة.

تتكرر في المشهد السياسي الكردي السوري ظاهرة لافتة كلما برز اسم آلدار خليل في نقاش أو تصريح أو تحليل يتعلق بمستقبل القضية الكردية. فبدلاً من أن يُناقش الخطاب السياسي على أساس مضمونه، تتحول الساحة سريعاً إلى موجة من الهجوم والتشكيك والتأويل من قبل البارزاني وبعض أدواته بعواء واستهجان، وكأن مجرد طرح رؤية سياسية مختلفة بات يُعامل كتهديد يجب احتواؤه أو تشويشه.

هذه الظاهرة ليست جديدة، لكنها أصبحت أكثر وضوحاً في السنوات الأخيرة، خصوصاً مع اتساع الفجوة بين تجربتين سياسيتين داخل البيت الكردي: تجربة اعتمدت على بناء مؤسسات وإدارة واقع معقد في ظل الحرب السورية، وأخرى بقيت أسيرة خطاب تقليدي لم ينجح في تحويل شعاراته إلى حضور فعلي على الأرض.

في هذا السياق، لا يمكن قراءة الهجوم المتكرر على آلدار خليل باعتباره خلافاً شخصياً أو سياسياً عادياً، بل بوصفه تعبيراً عن أزمة أعمق لدى التيار البارزاني وحلفائه في التعامل مع التحولات التي شهدها كرد سوريا خلال العقد الأخير.

على امتداد عقود، قدّمت القوى الكردية التقليدية نفسها بوصفها الإطار السياسي الأبرز لتمثيل الكرد السوريين. غير أن هذا الدور، ورغم أهميته التاريخية في الحفاظ على الهوية السياسية الكردية، لم يتحول إلى مشروع مؤسساتي قادر على إدارة مرحلة معقدة أو إنتاج نموذج حكم واضح.

ومع اندلاع الأزمة السورية، برزت على الأرض معادلات جديدة فرضت على القوى السياسية الانتقال من مرحلة الخطاب إلى مرحلة الفعل. وهنا بدأت الفجوة تتسع بين مشروع سياسي لم يتطور بالقدر الكافي، وتجربة جديدة طورت نفسها من خلال الواقع الميداني والتنظيمي والإداري.

في المقابل، استطاعت التجربة التي كان آلدار خليل أحد أبرز وجوهها أن تملأ فراغاً كبيراً في لحظة انهيار مؤسسات الدولة السورية في العديد من المناطق، من خلال بناء إدارات محلية ومؤسسات خدمية وأمنية وتعليمية، وتشكيل نمط حكم بديل أسس حضوره.

ورغم كل التعقيدات السياسية والعسكرية والضغوط الإقليمية، تمكنت هذه التجربة من تثبيت حضورها، وفرضت نفسها كطرف لا يمكن تجاوزه في أي نقاش حول مستقبل المنطقة الكردية في سوريا.

هذا التحول لم يكن مجرد تفصيل إداري، بل شكل نقلة نوعية في طبيعة الوجود السياسي الكردي، من حالة الاعتماد على الخارج إلى إدارة الداخل، ومن الخطاب العام إلى بناء المؤسسات.

السؤال الذي يفرض نفسه هنا: لماذا يتحول أي اختلاف سياسي مع هذه التجربة إلى حملات حادة ومستمرة على شخصياتها؟

رغم ذلك، فإن الإجابة لا تبدو مرتبطة فقط بالاختلاف السياسي، بل بطبيعة المقارنة التي فرضها الواقع. فوجود تجربة ناجحة نسبياً على الأرض يعني تلقائياً وضع كل المشاريع الأخرى أمام معيار جديد: معيار الإنجاز لا معيار الخطاب.

يمثل التيار البارزاني، بوصفه أحد أبرز التيارات السياسية الكردية في الإقليم وخارجه، حالة خاصة في هذه المعادلة. فالتجربة التاريخية الطويلة لهذا التيار لم تنجح في تقديم نموذج متماسك ومؤثر داخل الساحة الكردية السورية يوازي حجم الطموحات المعلنة.

ومع بروز تجربة الإدارة الذاتية، أصبحت المقارنة بين النموذجين حاضرة بقوة في الوعي السياسي الكردي، وهو ما خلق حالة من التوتر السياسي المستمر، تُترجم أحياناً إلى خطاب إعلامي حاد، وأحياناً إلى محاولات لتقليل شأن التجربة أو التشكيك في شرعيتها أو فعاليتها.

ومن هذا المنظور، فإن الجدل الدائر حول آلدار خليل ليس سوى انعكاس لصراع أعمق حول من يملك حق تمثيل المستقبل الكردي في سوريا، ومن يمتلك القدرة على تحويل الطموحات إلى مؤسسات، والشعارات إلى وقائع.

في كل الأحوال، تبقى الوقائع أكثر صلابة من الخطابات، والتجارب الفعلية أقوى من محاولات التشويه، والتاريخ في النهاية لا يحكم بالنوايا بل بالنتائج.

بالنهاية من الطبيعي أن يكون هناك اختلاف سياسي داخل البيت الكردي، بل إن هذا الاختلاف ضروري وصحي إذا جرى ضمن إطار تنافسي قائم على البرامج والإنجازات. لكن تحويل الخلاف إلى خطاب تشكيك دائم أو حملات شخصية لا يخدم أي مشروع سياسي، بل يضعف الجميع ويعمّق الانقسام.

إن التجربة السياسية لا تُقاس بحدة الخطاب، بل بقدرتها على تقديم نموذج قابل للحياة على الأرض وفق حل ديمقراطي لقضية عمرها عقود الا وهي القضية الكردية، فإن أي تيار سياسي—بما في ذلك التيار المرتبط بـ مسعود البارزاني—أمام فرصة حقيقية اليوم لمراجعة أدواته الإعلامية والسياسية، والانتقال من منطق “تفكيك الخصوم” حسب مفهومه إلى منطق “منافسة المشاريع”.

النقد الحقيقي لا يكون عبر التشويه أو التكرار الإعلامي، بل عبر تقديم بدائل أكثر إقناعاً وواقعية. وفي النهاية، الجمهور الكردي اليوم أكثر وعياً من أن يُدار عبر الحملات، وأكثر اهتماماً بالنتائج من الشعارات.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى