ألم يحن الوقت لعقد مؤتمر كردي شامل يضم ممثلي الكرد في أجزاء كردستان الأربعة؟

في ظل التحولات السياسية والأمنية المتسارعة التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، تتجدد الأسئلة حول مستقبل القضية الكردية وسبل حماية المكتسبات التي حققها الشعب الكردي خلال العقود الماضية. ويبرز اليوم سؤال جوهري يفرض نفسه بقوة: ألم يحن الوقت لعقد مؤتمر كردي شامل يضم ممثلي الكرد في أجزاء كردستان الأربعة، من أجل صياغة رؤية وطنية موحدة لمواجهة التحديات الراهنة؟
إن أهمية هذا السؤال لا تنبع فقط من الظروف التي يمر بها باشور كردستان (إقليم كردستان) بل أيضاً من حجم المتغيرات الإقليمية والدولية التي تؤثر بشكل مباشر على مستقبل الشعب الكردي في العراق وسوريا وتركيا وإيران. فالقضية الكردية لم تعد قضية محلية تخص جزءاً واحداً من كردستان، بل أصبحت قضية مترابطة تتأثر فيها جميع الأجزاء بما يجري في كل ساحة من الساحات الكردية.
يمثل باشور كردستان اليوم التجربة الكردية الأكثر تقدماً من الناحية السياسية والمؤسساتية، إذ يتمتع الإقليم بكيان دستوري معترف به ضمن الدولة العراقية، وبمؤسسات تشريعية وتنفيذية وأمنية خاصة به. غير أن هذه التجربة تواجه تحديات معقدة ومتعددة الأبعاد.
فعلى الصعيد الداخلي، ما زالت الخلافات السياسية بين القوى الكردية تؤثر على وحدة القرار الوطني وتحد من قدرة الإقليم على التعامل مع التحديات الكبرى بروح جماعية. أما على الصعيد الاقتصادي، فإن الأزمات المالية المتكررة والخلافات مع الحكومة الاتحادية في بغداد حول النفط والميزانية والموارد المالية تضع ضغوطاً إضافية على استقرار الإقليم.
وفي البعد الأمني، تتعرض مناطق واسعة من إقليم كردستان لتوترات ناتجة عن الصراعات الإقليمية، كما أصبحت الأراضي الكردستانية ساحة لتداخل المصالح العسكرية والسياسية للقوى الإقليمية والدولية، الأمر الذي يهدد الأمن والاستقرار ويجعل مستقبل المنطقة أكثر تعقيداً.
تشهد المنطقة اليوم إعادة رسم للتوازنات السياسية والعسكرية. فالحروب والصراعات التي اندلعت خلال العقد الأخير لم تنتهِ بعد، بل دخلت مرحلة جديدة تتداخل فيها مشاريع النفوذ الإقليمي مع الحسابات الدولية.
في هذا السياق، تزداد المخاوف لدى قطاعات واسعة من الشعب الكردي من وجود تفاهمات أو اتفاقات إقليمية ودولية قد تتم على حساب الحقوق القومية الكردية، خصوصاً في ظل غياب موقف كردي موحد قادر على التأثير في مراكز القرار الإقليمية والدولية.
لقد أثبتت تجارب التاريخ أن الانقسامات الداخلية غالباً ما كانت أحد أهم الأسباب التي استغلها الآخرون لإضعاف الموقف الكردي. لذلك فإن مواجهة أي مشاريع تستهدف الوجود أو الحقوق الكردية تتطلب أولاً بناء جبهة سياسية كردية متماسكة.
ليست فكرة المؤتمر الكردي الشامل جديدة، فقد طُرحت مراراً خلال العقود الماضية، وشهدت السنوات السابقة محاولات متعددة لعقد مؤتمر قومي كردستاني يضم الأحزاب والقوى والشخصيات الكردية من مختلف أجزاء كردستان. وقد ركزت تلك المبادرات على توحيد الخطاب السياسي الكردي، وتعزيز التنسيق بين القوى الكردستانية، وصياغة رؤية مشتركة تجاه القضايا المصيرية.
كما استمرت خلال السنوات الأخيرة الدعوات إلى عقد مؤتمر وطني كردي شامل بمشاركة ممثلين من أجزاء كردستان الأربعة والمهجر، انطلاقاً من قناعة متزايدة بأن التحديات الراهنة تتجاوز حدود كل جزء على حدة.
إن الهدف من المؤتمر لا ينبغي أن يكون توحيد الأحزاب أو إلغاء التباينات السياسية والفكرية، فذلك أمر غير واقعي في أي تجربة ديمقراطية. بل يتمثل الهدف الأساسي في إيجاد حد أدنى من التوافق الوطني حول القضايا المصيرية التي تخص مستقبل الشعب الكردي.
يمكن للمؤتمر الكردي الشامل أن يشكل منصة وطنية جامعة تتيح للقوى السياسية ومنظمات المجتمع المدني والأكاديميين والمثقفين والشخصيات الوطنية من مختلف أجزاء كردستان مناقشة القضايا المشتركة ووضع استراتيجيات طويلة الأمد.
ومن بين الأهداف الممكنة:
* صياغة رؤية كردية موحدة تجاه المتغيرات الإقليمية والدولية.
* تعزيز التنسيق السياسي والدبلوماسي بين القوى الكردية.
* حماية المكتسبات الدستورية والسياسية التي تحققت في باشور كردستان.
* دعم الحقوق الديمقراطية والثقافية للكرد في جميع الدول التي يعيشون فيها.
* بناء آليات لحل الخلافات الكردية الداخلية بالحوار.
* تعزيز العلاقات مع الشعوب المجاورة على أساس التعايش والاحترام المتبادل.
رغم أهمية الفكرة، فإن الطريق نحو مؤتمر كردي شامل ليس سهلاً. فهناك خلافات سياسية عميقة بين بعض الأحزاب والقوى الكردية، إضافة إلى اختلاف الرؤى بشأن طبيعة الحلول السياسية المطلوبة في كل جزء من أجزاء كردستان.
كما أن الضغوط الإقليمية تمثل عاملاً مؤثراً، إذ تنظر بعض الدول بحساسية إلى أي إطار كردي جامع قد ينعكس على أوضاعها الداخلية. ولهذا فإن نجاح أي مؤتمر يتطلب إرادة كردية مستقلة وقدرة على تجاوز الحسابات الحزبية الضيقة.
اللحظة التاريخية تفرض الوحدة
في وقت تتسارع فيه التحولات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، لم يعد ترفاً سياسياً أن يناقش الكرد مستقبلهم المشترك ضمن إطار وطني جامع. فالتحديات التي تواجه باشور كردستان، والتطورات المتلاحقة في روج آفا، والأوضاع المعقدة للكرد في باكور وروجهلات، كلها تؤكد أن مصير الشعب الكردي مترابط أكثر من أي وقت مضى.
إن المؤتمر الكردي الشامل ليس هدفاً بحد ذاته، بل وسيلة لإعادة ترتيب البيت الكردي وتعزيز القدرة على الدفاع عن الحقوق والمكتسبات القومية والديمقراطية. فالتاريخ يثبت أن الشعوب التي تنجح في توحيد رؤيتها خلال المراحل المفصلية تكون أكثر قدرة على حماية مصالحها ومواجهة التحديات.
ومن هنا، يبدو أن السؤال لم يعد: هل يحتاج الكرد إلى مؤتمر شامل؟ بل أصبح: متى سيتمكن الكرد من تحويل هذه الحاجة التاريخية إلى واقع سياسي ملموس يخدم مستقبل الأجيال القادمة؟




