إلى سربست نبي، الشعب الواعي… وليس قطيعاً لذئابٍ دنيئة.

* وفاء شيخو علوش.
إنّ إصرار سربست نبي على توصيف القاعدة الشعبية بـ “القطيع” ليس موقفاً نقدياً ولا توصيفاً سياسياً، بل سقوطاً أخلاقياً ومعرفياً يكشف انفصالاً كاملاً عن الناس الذين يشكّلون جوهر أي حركة ثورية. هذا الخطاب لا يعبّر عن تحليل، بل عن نظرة استعلائية تُهين الشهداء وعوائلهم، وتُهين كل من قدّم حياته دفاعاً عن مشروع الحرية. فالشهداء لم يُساقوا، ولم يتحركوا بلا وعي، بل اختاروا طريقهم بقرارٍ واعٍ، وهم يدركون معنى الثورة وثمنها، عكس سربست الذي يختار طريقه دون وعي ويتنقّل بين المواقف كما يتنقّل بين مصادر تمويله. إنّ من يكرر هذا الوصف يثبت أنه أسير نظريات جاهزة غُرست في ذهنه، يرددها بلا مراجعة، وكأنّه هو نفسه النموذج الأقرب لما يتهم به الآخرين.
الشعب الذي التحم بقيادته لم يفعل ذلك بدافع الخوف أو الانقياد الأعمى، بل بدافع وعيٍ ثوريٍّ تشكّل عبر التجربة، عبر الألم، عبر مواجهة الموت، وعبر إدراك أن الحرية لا تُمنح بل تُنتزع. الالتزام الشعبي ليس قطيعاً، بل التزام ثوري يقوم على الإيمان بالمشروع، وعلى الثقة المتراكمة، وعلى إدراك أن المعركة تحتاج إلى وحدة الصف. هذا الالتفاف هو ما يصنع الثورات، وهو ما يحميها من الانهيار، وهو ما يجعل الشعب شريكاً في القرار لا تابعاً.
والتاريخ نفسه يفضح هذا النوع من الخطاب. فحين التفّ الشعب الجزائري حول جبهة التحرير بقيادة أحمد بن بلة وهواري بومدين، لم يقل أحد إنهم “قطيع”، بل قيل إنهم شعبٌ واعٍ حمل ثورته على كتفيه حتى نال استقلاله. وحين وقف الشعب الفيتنامي خلف قائده هو شي منه في مواجهة واحدة من أقوى الجيوش في العالم، لم يُنظر إليهم كمنقَادين، بل كقوة شعبية موحّدة استطاعت عبر وحدة الإرادة أن تهزم آلة الحرب الأميركية. وفي أمريكا اللاتينية، حين التحم الناس بقياداتهم الثورية مثل فيدل كاسترو وتشي غيفارا، لم يكن ذلك انقياداً، بل إيماناً بأن مشروع التحرر هو الطريق الوحيد للخلاص من الديكتاتوريات. وحتى في جنوب أفريقيا، حين وقف الشعب خلف نيلسون مانديلا، لم يكن ذلك انقياداً، بل وعياً جمعياً بأن الحرية لا تتحقق إلا بوحدة الشعب خلف قيادة تمتلك رؤية وشجاعة.
هذه النماذج ليست مجرد أحداث بعيدة، بل شواهد حيّة على أن الشعوب حين تلتف حول قيادتها تفعل ذلك لأنها تمتلك وعياً جمعياً، لا لأنها تُقاد بلا إرادة. الالتزام الثوري ليس قطيعاً، بل قرارٌ جماعيٌّ نابع من إدراك أن الثورة تحتاج إلى قيادة وإلى جماهير تقف خلفها بثبات. من يصف هذا الالتزام بالقطيع يفضح جهله بطبيعة الحركات التحررية، ويكشف أنه لا يرى في الشعب قوة واعية بل كتلة يمكن إهانتها.
والأخطر من ذلك أن هذا الخطاب يحاول إعادة صياغة التاريخ بطريقة تُفرغ التضحيات من معناها. فحين يصف الناس بالقطيع، فهو عملياً يقول إن آلاف الشهداء الذين قدّموا أرواحهم لم يكونوا أصحاب قرار، بل مجرّد منقَادين. وهذا ليس نقداً، بل إهانة مباشرة لكرامة الشهداء ولوعيهم ولخياراتهم. الثورة ليست فعلاً غريزياً، بل فعلاً إرادياً، يقوم على إدراكٍ عميق بأن الحياة الكريمة تحتاج إلى مواجهة، وأن الحرية تحتاج إلى ثمن.
وليس غريباً أن يصدر هذا النوع من الخطاب من شخصٍ يعمل وفق تعليمات وتوجيهات يعرف الجميع مصدرها، ويتحرّك حسب من يدفع له أكثر، وحسب المزاج الذي يصنعه كأسه اليومي. فحين يكون الموقف السياسي مرتبطاً بثمنٍ يُدفع، لا بمبدأ يُدافع عنه، يصبح من الطبيعي أن تظهر هذه اللغة المتعالية على الناس. ومن تربّى على سفرة محمد منصورة، واتخذ منه أباً روحياً، لا يُستغرب أن يكرر هذا النمط من الخطاب؛ فالنماذج التي تُصنع في تلك البيئة تنتج شخصيات من هذا النوع: كثير الكلام، قليل الانتماء، سريع التحوّل، يهاجم الشعب حين يعجز عن فهمه، ويهين الشهداء حين يعجز عن الوصول إلى مستوى تضحياتهم. لذلك، فإن ظهور نموذج كسربست ليس حدثاً طارئاً، بل نتيجة طبيعية لمسارٍ طويل من الارتهان الفكري والسياسي، مسارٍ لا يستطيع أن يرى في الالتزام الشعبي سوى “قطيع”، لأنه لم يعرف يوماً معنى الانتماء الحقيقي أو الثبات على موقف.
وما يزيد خطورة هذا الخطاب أنه يسعى لخلق فتنة داخل المجتمع، عبر بثّ لغة تقسيمية تحاول ضرب العلاقة بين الشعب وقيادته. فعندما يصف المجتمع بالقطيع، فهو عملياً يمنح نفسه دور “الذئب” الذي يحق له افتراس هذا القطيع، وكأنّ الناس بلا إرادة وبلا وعي وبلا قدرة على حماية أنفسهم. لكنه ليس مجرد ذئب… بل ذئب دنيء، يتغذّى على التحريض، ويقتات على الفتنة، ويبحث عن أي شرخٍ ليحوّله إلى صراع. ومهمة المجتمع الواعي (الاخلاقي) هي حماية نفسه من هكذا ذئاب، من الأصوات التي تحاول تمزيق وحدته، ومن الخطابات التي تتغذّى على التحريض والفتنة.
أمّا الحقيقة فهي أن هذا الشعب أثبت، بالدم والانضباط والإيمان بالمشروع، أنه ليس قطيعاً، بل قوة ثورية واعية تعرف ماذا تريد، وتعرف لماذا تلتزم، وتعرف أن طريق الحرية يحتاج إلى قيادة وإلى جماهير موحّدة لا يمكن اختزالها بكلمة سطحية.




