الكرد ودروس الحـ.ـرب على إيـ.ـران

محسن عوض الله
منذ بداية التصعيد السياسي من واشنطن ضد طهران، وما تبعه من اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران؛ كنت مؤمنا بقناعة كاملة بضرورة أن تتجنب الأحزاب والقوى الكردية الإيرانية المشاركة في الحرب أو الانخراط في صراع لا علاقة لهم به مباشرة.
دعوت كرد إيران عبر مواقع التواصل إلى عدم التورط في حرب نصرها لن يحسب لهم، ولكنهم سيدفعون فاتورة خسائرها بكل تأكيد. تمنيت أن يظل الكرد بعيدين عن المعركة، محافظين على قضيتهم الوطنية، دون الانجرار خلف شعارات تحمل خلفها مصالح خارجية قد لا تخدمهم.
كنت مؤمناً أن التاريخ هو خير دليل ومرشد للحاضر؛ مستنداً إلى قراءة دقيقة لمشهد وطبيعة الصراع الإقليمي والدولي، وتاريخ تورط الكرد في نزاعات لم تعكس مصالحهم الحقيقية.
تجربة الكرد السوريين مع الحليف الأمريكي كانت حاضرة أمامي بكل تفاصيلها وانكساراتها، فخلال أكثر من عشر سنوات من الحرب السورية، شكلت العلاقة الكردية مع واشنطن سلاحًا ذو حدين؛ فعلى الرغم من التحالفات والاعتبارات الأمنية، فقد تبين أن المواقف الأمريكية كانت تتأرجح بحسب مصالحها على حساب الكرد، خاصة في ظل إدارة دونالد ترامب التي حولت السياسة الخارجية إلى أداة للصفقات، وهو ما دفع الكرد ثمنه الكثير من أرضهم ودمائهم، وهو ما ظهر جليًا في أحداث مثل احتلال تركيا لعفرين، الذى لعب التواطؤ الأمريكي دوراً واضحًا في سقوطها بيد تركيا.
توقف الحرب الأمريكية على إيران بعد قرابة أربعين يومًا من القتال، ثم إعلان ترامب استعداده للتفاوض مع النظام الإيراني الذي كان يسعى إلى إسقاطه، يؤكد صحة ما دعوت إليه قبل الحرب حول أهمية الحيطة الكردية، وعدم التورط في الحرب أو التحول لرأس حربة أمريكية سرعان من تنتقم منها إيران في أول هدنة.
هذا الواقع يعيد التأكيد على أن السياسة الكردية ينبغي أن تركز على المصالح الذاتية، وتعتمد على قوتها الداخلية واستراتيجياتها الوطنية، بعيدًا عن التوقعات الوهمية من تحالفات غير مضمونة.
ربما يمكننا القول أن الدرس الأبرز من هذه التجارب هو الاعتماد على قوة خارجية لا يمنح ضمانة للحماية أو للاستقرار، خاصة أن تاريخ الصراعات في المنطقة مليء بالأمثلة التي توضح أن القوى الكبرى تنظر إلى الحلفاء المحليين وفق مصالحها، وغالبًا ما تتخلى عنهم عند الضرورة.
ومن هنا، تصبح الاستقلالية السياسية والتخطيط الاستراتيجي الذاتي أمرًا حتميًا، ليس فقط للحفاظ على المكتسبات، بل لضمان القدرة على مواجهة أي تحول مفاجئ في التوازنات الإقليمية.
أعتقد أن القوى الكردية بكل مناطق كردستان أصبحت تعي جيداً ضرورة تعزيز الوحدة الداخلية، تطوير القدرات السياسية والعسكرية الذاتية، والحذر من الانجرار وراء مصالح دولية متغيرة مع وضع ضوابط صارمة على أي تحالفات دولية بصورة تجعل من المصلحة الكردية أولوية.
ختاماً يمكننا القول إن الدرس الأهم من الحرب على إيران، ومن التجربة السورية، ومن التغيرات الأمريكية المتكررة، هو أن الاعتماد على الخارج في حماية المصالح الكردية ليس استراتيجية ناجحة بحد ذاتها.
وأن الطريق إلى مستقبل أكثر أمناً في منطقة مضطربة كالشرق الأوسط؛ لا يمر عبر تحالفات خارجية يكون الكرد فيها الطرف الأضعف؛ قدر مروره عبر سياسة تعتمد على وحدة الصف، وتقبل الاختلافات، وتجاوز الخلافات فيما بينهم.




