مقالات رأي

الأحزاب الكردية في سوريا أمام اختبار المرحلة: بين ضرورة الوحدة ومتطلبات الواقع السياسي

 

تمرّ القضية الكردية في سوريا بمرحلة دقيقة تُعد من أكثر المراحل حساسية منذ اندلاع الأزمة السورية. فبعد سنوات من الحضور السياسي والعسكري، وتحقيق جملة من المكاسب على الأرض، باتت الأحزاب الكردية اليوم أمام اختبار حقيقي يتمثل في قدرتها على الحفاظ على هذه المكاسب وتحويلها إلى حقوق دستورية مستدامة ضمن الدولة السورية.

*أولًا: وحدة الصف… الشرط الأساسي لأي إنجاز*

لا يمكن لأي مشروع سياسي أن ينجح في ظل الانقسام. فالتعدد الحزبي الكردي، رغم كونه ظاهرة صحية من حيث المبدأ، تحوّل في بعض الأحيان إلى عامل إضعاف، خاصة في ظل غياب رؤية مشتركة. إن توحيد الموقف السياسي، أو على الأقل التنسيق الفعلي بين القوى الرئيسية، لم يعد خيارًا بل ضرورة ملحّة لفرض حضور قوي في أي عملية تفاوضية.

ثانيًا: الحاجة إلى مشروع سياسي واضح

تعاني الساحة الكردية من غموض نسبي في تحديد الهدف النهائي: هل المطلوب نظام لامركزي؟ أم فدرالية؟ أم مجرد ضمان حقوق ثقافية وإدارية؟

إن غياب هذا الوضوح يضعف القدرة التفاوضية، ويجعل الخطاب السياسي عرضة للتأويل. المطلوب اليوم هو صياغة مشروع سياسي متكامل، قابل للتطبيق، ويحظى بإجماع داخلي.

ثالثًا: الواقعية السياسية بدل الشعارات*

التحولات الإقليمية والدولية تفرض على الأحزاب الكردية تبنّي نهج براغماتي، قائم على قراءة دقيقة لموازين القوى. فالتعويل على طرف دولي واحد، أو رفع سقف المطالب دون حسابات واقعية، قد يؤدي إلى نتائج عكسية. السياسة في هذه المرحلة تتطلب مرونة، دون التفريط بالثوابت.

رابعًا: تعزيز الشرعية الداخلية

القوة الحقيقية لأي مشروع سياسي تنبع من حاضنته الشعبية. لذلك، فإن تحسين الواقع الخدمي، ومحاربة الفساد، وتعزيز الشفافية، كلها عوامل أساسية في كسب ثقة المجتمع. كما أن إشراك الشباب والمرأة بشكل فعلي في الحياة السياسية يساهم في تجديد الحيوية داخل المؤسسات.

خامسًا: الشراكة مع المكونات الأخرى

لا يمكن بناء مشروع مستقر في شمال وشرق سوريا دون شراكة حقيقية مع العرب والسريان وباقي المكونات. فالقضية الكردية لا تنفصل عن السياق السوري العام، وأي طرح إقصائي قد يؤدي إلى توترات داخلية تُضعف الجميع. المطلوب هو مشروع وطني جامع يضمن حقوق الجميع.

سادسًا: التفاوض مع دمشق… الفرصة والتحدي

يشكّل الحوار مع الحكومة السورية أحد أبرز محاور المرحلة. وهنا تبرز أهمية الدخول في المفاوضات بصف موحد، وبرؤية واضحة، مع التركيز على القضايا الجوهرية مثل الاعتراف الإداري، والحقوق الثقافية، والتمثيل السياسي. التفاوض ليس تنازلًا، بل وسيلة لتحقيق مكاسب مستدامة.

سابعًا: البعد الدولي للقضية

في عالم السياسة، لا تكفي القوة الداخلية وحدها. تحتاج القضية الكردية إلى دعم دولي متوازن، قائم على الدبلوماسية الفاعلة، وتقديم نفسها كقضية حقوقية وسياسية عادلة، لا كملف أمني فقط.

خاتمة

تقف الأحزاب الكردية في سوريا اليوم أمام مفترق طرق: إما الانتقال إلى مرحلة النضج السياسي القائم على الوحدة والواقعية، أو الاستمرار في حالة التشتت التي قد تهدد ما تحقق من إنجازات.

المرحلة لا تحتمل التردد، بل تتطلب قرارات شجاعة، ورؤية واضحة، وإرادة سياسية قادرة على تحويل التحديات إلى فرص.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى