مقالات رأي

حوار تحت الحـ.ـصار.. هل تتكرر مأسـ.ـاة غـ.ـزة في كوباني

محسن عوض الله

لم أكن أبحث عن مأساة جديدة، كنت أطالع الأخبار كعادتي، حين استوقفني خبر عن حصار يُفرض على كوباني، تلك المدينة التي يكفي أن تسمع اسمها حتى تعود بذهنك إلى سنوات الحرب السورية الأولى، حيث المقاومة البطولية التي أظهرها أبناؤها في مواجهة تنظيم داعش الإرهابي.

تشككت في خبر الحصار وقلت في نفسي لعلها مبالغة إعلامية، لكن التقارير تكررت، وتقاطعت روايات وكالات ومرصد حقوقي، وكلها تتحدث عن مدينة تُطوّق من جديد.

تساءلت في حيرة: أليس الحصار من أدوات النظام الذي قيل إنه سقط؟ من يحاصر من؟ وكيف تتحول سلطة ترفع شعار الثورة إلى سلطة تغلق الطرق في وجه المدنيين؟لم أشأ أن أكتفي بالبيانات. فتحت هاتفي، وبحثت بين أصدقائي عن أحد من أبناء المدينة. وجدت معلمة أعرفها منذ سنوات.

كردية، نعم، لكنها لم تكن يوماً أسيرة خطاب قومي أو حزبي. كانت تنتقد الإدارة الذاتية حين ترى تقصيراً، وتختلف مع الساسة الكرد بلا تردد. لهذا وثقت بكلماتها.

جاءني صوتها منخفضاً، كأن الجدران تسمع، لم تتحدث بشعارات، في درها على استفساراتي وأسئلتي بل ردت بتفاصيل صغيرة مقتضبة ولكنها موجعة: “لا ماء… الكهرباء مقطوعة… الإنترنت بالكاد يصل… الطرق مغلقة”.

ثم صمتت قليلاً، قبل أن تضيف: “هناك اقتحامات… تفتيش… إهانات”. لم تُكثر من الوصف، لكن ارتجاف صوتها كان أبلغ من أي تقرير.

صوت بنت كوباني الذي تعلوه الرعشة والخوف، دعمته تقارير حقوقية وشهادات ميدانية حول المدينة المحاصرة من فصائل تابعة لما يُعرف بـالحكومة السورية المؤقتة، التي أغلقت الطرق المؤدية إلى المدينة، ومنعت دخول الإمدادات الغذائية والطبية. معاناة يومية يعيشها أكثر من ستمئة ألف مدني في كوباني وريفها، خاصة في ظل تناقص أدوية الأمراض المزمنة، وتراجع أداء المشافي لتعمل بحدها الأدنى، وندرة حليب الأطفال الذى بات سلعة نادرة في مدينة أنهكها الخوف.

وأنا أستمع إليها، لم أستطع أن أمنع ذاكرتي من استحضار مشاهد الحصار الذي فرضته إسرائيل لسنوات على قطاع غزة، تذكرت مشاهد الأمهات اللتي يبحثن عن علبة حليب لارضاع أطفالهن، تذكرت طوابير الجوعي والمرضى وغيرها من مشاهد مؤلمة تناقلتها الفضائيات دون أن يحرك العالم ساكنا على مدار سنوات.

ما أشبه التفاصيل حين تتكرر، ولو اختلفت الرايات. الحصار لا يسأل الضحية عن رأيها السياسي. لا يفرّق بين مؤيد ومعارض. إنه يعامل المدينة ككتلة واحدة قابلة للعقاب. وهنا يكمن الخطر: حين يتحول الخلاف السياسي إلى عقوبة جماعية.

ليست المقارنة بين كوباني وغزة ترفاً بل ضرورة، التجربة تقول إن الحصار لا يبني دولة، ولا يصنع شرعية، ولا يفرض استقراراً دائماً، ربما قد يحقق مكسباً آنياً، لكنه يترك وراءه مجتمعاً مثقلاً بالندوب خاصة أن السياسة التي تُدار على حساب خبز الناس ودوائهم، سرعان ما تفقد معناها الأخلاقي.

ما علمته أن أهالي كوباني لا يطلبون المستحيل. يريدون فتح ممرات إنسانية لإدخال الغذاء والدواء والوقود، يريدون ماءً في الصنابير، ونوراً في البيوت، وحليباً لأطفالهم. يريدون أن يعيشوا فقط.

ما يطلبه أهالي كوباني لا يختلف عما طلبه ومازال يطلبه سكان غزة، ويطلبه كل مظلوم على وجه المعمورة مجرد حياة كسائر البشر.

بين غزة وكوباني، ميليشيات إرهابية حتى لوحملت إسم جيش أو رفعت شعارات إعلامية جذابة.ربما تتغير الأسماء، وتتبدل العناوين، لكن الحصار يظل هو الحصار والضحية دائماً إنسان بسيط، لا علاقة له بكل هذا الصخب، سوى أنه يعيش في المكان الخطأ، في الزمن الخطأ.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى