مقالات رأي

توم باراك والسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط

 

محسن عوض الله

منذ تكليفه مبعوثًا خاصًا للولايات المتحدة إلى سوريا في أيار/ مايو من العام الماضي، أثار الدبلوماسي والملياردير الأمريكي توم باراك حالة واسعة من الجدل، ليس فقط بسبب خلفيته كرجل أعمال وواحد من أبرز رجال العقارات المقربين من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بل أيضًا نتيجة مواقفه التي بدت أحيانًا أقل انسجامًا مع الخطوط التقليدية للسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط.

لكن الجدل المرتبط بباراك لم يتوقف عند حدود تصريحاته أو طريقة إدارته للملف السوري، بل امتد إلى الطريقة التي أُنهيت بها مهمته ثم أُعيد تكليفه مجددًا بصورة بدت كاشفة لحالة الارتباك داخل الإدارة الأمريكية، أو على الأقل لوجود تباينات واضحة في مقاربة واشنطن لملفات المنطقة.

فصباح السبت 30 أيار/ مايو الماضي، أعلن وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو انتهاء التكليف الرسمي لتوم باراك كمبعوث خاص إلى سوريا، في خطوة فهمها كثيرون باعتبارها مؤشرًا على مراجعة أمريكية محتملة للملف السوري، أو ربما بداية تغيير في أدوات واشنطن السياسية تجاه دمشق.

غير أن المشهد لم يلبث طويلًا حتى انقلب بصورة كاملة. فبعد ساعات قليلة فقط من إعلان روبيو؛ خرج الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بقرار جديد يقضي بإعادة تكليف باراك، ليس فقط إلى سوريا، بل إلى العراق أيضًا، بصفة مبعوث رئاسي خاص.

هذا التحول السريع لم يمر دون إثارة علامات الاستفهام. ففي العادة، تحرص الإدارات الأمريكية على إظهار قدر من الانسجام في الملفات الخارجية الحساسة، خصوصًا تلك المرتبطة بمناطق الصراع والنفوذ. لكن أن يعلن وزير الخارجية انتهاء مهمة مسؤول رفيع، قبل أن يعاد تكليفه بقرار رئاسي أوسع خلال ساعات، فإن الأمر يبدو أبعد من مجرد تعديل إداري أو إعادة توزيع أدوار.

طريقة الإعلان عن إنهاء مهمة باراك ثم إعادة تكليفه فتحت الباب أمام تساؤلات قد تبدو منطقية، هل نحن أمام خلافات فعلية بين مؤسسات الإدارة الأمريكية بشأن الشرق الأوسط؟ أم أن ما جرى لا يتجاوز كونه جزءًا من سياسة أمريكية قائمة على إبقاء الخيارات مفتوحة، وإدارة الملفات بمنطق المرونة السياسية؟

اللافت في الأمر أن إعادة تعيين باراك جاءت في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، لا سيما في سوريا التي تشهد تحولات متسارعة منذ سقوط نظام بشار الأسد، وصعود السلطة الانتقالية بقيادة الرئيس أحمد الشرع، وسط تحديات أمنية وسياسية معقدة تشمل مستقبل العقوبات الأمريكية، وإعادة هيكلة المؤسسات الأمنية، وملف المقاتلين الأجانب، إضافة إلى مراكز احتجاز عناصر تنظيم داعش الإرهابي.

لكن قراءة المشهد من زاوية إدارية فقط تبدو غير كافية. فإعادة الإبقاء على باراك في الملف السوري، بل ومنحه دورًا أوسع يشمل العراق، تحمل في طياتها رسائل سياسية تتجاوز حدود الأشخاص والمناصب.

فخلال فترة عمله في سوريا، تزامن وجود باراك مع تصاعد اتهامات بوقوع انتهاكات حقوقية ومجازر، نُسبت إلى قوات الأمن الداخلي السورية في بعض المناطق، بينما بدا الموقف الأمريكي أقل حدة مقارنة بما اعتادت واشنطن إعلانه في ملفات مشابهة حول العالم. وهو ما دفع كثيرين إلى التساؤل حول حقيقة المعايير التي تحكم الخطاب الأمريكي بشأن حقوق الإنسان، وما إذا كانت تخضع بالفعل لمعادلات المصالح السياسية والأمنية.

المفارقة هنا أن الولايات المتحدة التي لطالما قدمت نفسها باعتبارها المدافع الأول عن قيم الديمقراطية والحريات، تبدو في كثير من الأحيان أكثر براغماتية عندما يتعلق الأمر بترتيبات النفوذ وموازين القوى على الأرض. وهي مقاربة لم تولد مع إدارة ترامب، لكنها تبدو اليوم أكثر وضوحًا وصراحة، خصوصًا في الملفات التي تمس الأمن الإقليمي أو ترتبط بمواجهة خصوم واشنطن الاستراتيجيين.

أما العراق، الذي أضيف بصورة مفاجئة إلى مهام باراك، فلا يمكن عزله عن الحسابات الأمريكية الأوسع. فواشنطن تدرك أن الفصل بين الساحتين السورية والعراقية لم يعد ممكنًا كما كان في السابق، سواء فيما يتعلق بالنفوذ الإيراني، أو إعادة تشكيل التوازنات الأمنية، أو حتى مستقبل الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة.

ومن هذا المنطلق، قد تعكس إعادة تكليف باراك محاولة أمريكية لإدارة ملفين مترابطين عبر قناة سياسية واحدة، بهدف تقليل الخسائر وإعادة ترتيب النفوذ في منطقة ما تزال تشهد تحولات متسارعة.

ويبقي السؤال.. هل تعكس إعادة تعيين توم باراك ارتباكًا داخل الإدارة الأمريكية، أم أنها تكشف ببساطة عن الوجه الحقيقي لسياسة واشنطن في الشرق الأوسط؛ سياسة تتبدل فيها الأدوات والأسماء، بينما تبقى المصالح هي الثابت الوحيد؟

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى