تقارير

من العشائر إلى الكنيسة: ثلاث مناسبات تعزز وحدة مكونات الجزيرة

تشهد منطقة الجزيرة /محافظة الحسكة/ في المرحلة الراهنة حراكاً مجتمعياً لافتاً، يعكس وعياً متزايداً لدى مختلف مكوناتها بأهمية الحفاظ على وحدة الصف في مواجهة التحديات المتعددة. هذا الحراك لم يأتِ من فراغ، بل تجلّى من خلال سلسلة اجتماعات عشائرية وزيارات دينية متزامنة، حملت رسائل واضحة تؤكد أن التعايش المشترك لا يزال الركيزة الأساسية لاستقرار المنطقة.

اجتماعات عشائرية تؤكد وحدة المصير

في هذا السياق، برز الاجتماع الذي عُقد بدعوة من الشيخ مانع حميدي الدهام الجربا، شيخ قبيلة شمر، حيث جمع شخصيات عشائرية واجتماعية من مختلف المكونات. هذا اللقاء لم يكن مجرد اجتماع تقليدي، بل حمل طابعاً سياسياً واجتماعياً مهماً، إذ ركّز على رفض الفتن القومية والطائفية، والتأكيد على أن العلاقات بين العرب والكرد والسريان متجذّرة في عمق التاريخ.

وفي موازاة ذلك، شهدت قرية سارنجة التابعة لمدينة عامودا اجتماعاً موسعاً لعشائر الدقورية، حيث نُصبت خيم لاستقبال الوفود القادمة من مختلف مناطق الجزيرة. وضمّ اللقاء وجهاء وشخصيات اجتماعية من العشائر العربية والكردية، وتم خلاله التأكيد على تعزيز الأخوة والتكاتف، ورفض أي محاولات لبث الفرقة. كما ناقش الحضور قضايا تتعلق بالسلم الأهلي، ودور العشائر في حل النزاعات بطرق سلمية، والحفاظ على الاستقرار المجتمعي.

دور العشائر في حماية السلم الأهلي

تؤكد هذه الاجتماعات أن العشائر لا تزال تلعب دوراً محورياً في المجتمع، ليس فقط كإطار اجتماعي تقليدي، بل كقوة فاعلة في ضبط التوازنات الداخلية. فهي تسهم في حل النزاعات، وتقريب وجهات النظر، وتشكّل خط الدفاع الأول ضد أي محاولات لإثارة الفتن. كما أن حضور ممثلين عن مكونات مختلفة في هذه اللقاءات يعكس إدراكاً جماعياً بأن الاستقرار مسؤولية مشتركة.

الحضور الديني ورسائل التعايش

إلى جانب الحراك العشائري، جاءت زيارة إغناطيوس أفرام الثاني إلى مدينة قامشلو لتضيف بعداً مهماً لهذا المشهد. ويُعد البطريرك أحد أبرز الشخصيات الدينية في المنطقة، حيث يتزعم الكنيسة السريانية الأرثوذكسية على مستوى العالم. وقد حملت زيارته طابعاً روحياً ومجتمعياً، إذ التقى بعدد من رجال الدين والفعاليات الاجتماعية، وأكد في لقاءاته على أهمية الحوار بين الأديان، وتعزيز ثقافة العيش المشترك، والحفاظ على التنوع الذي تتميز به الجزيرة.

كما تعكس هذه الزيارة استمرار حضور المكون المسيحي ودوره الفاعل في الحياة العامة، خاصة في ظل الظروف التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الماضية، حيث بقيت الكنيسة إحدى الجهات الداعمة للاستقرار والتقارب بين مختلف المكونات.

تزامن الأحداث ودلالاته*

إن تزامن هذه الاجتماعات والزيارات خلال فترة زمنية قصيرة ليس أمراً عابراً، بل يعكس حالة من التوافق غير المعلن بين مختلف القوى المجتمعية. فالعشائر، والمؤسسات الدينية، والفعاليات الاجتماعية، جميعها تتحرك في اتجاه واحد: الحفاظ على وحدة النسيج الاجتماعي ومنع أي انزلاق نحو التوتر.

الجزيرة السورية كنموذج للتعايش

لطالما شكّلت الجزيرة نموذجاً فريداً للتنوع، حيث تعيش فيها مكونات متعددة من عرب وكرد وسريان وآشوريين، ضمن إطار من العلاقات الاجتماعية المتشابكة. ورغم التحديات التي مرّت بها المنطقة خلال السنوات الماضية، إلا أن هذا النموذج أثبت قدرته على الصمود، بفضل وعي أبنائه وتمسكهم بقيم العيش المشترك.

خاتمة: الوحدة كخيار استراتيجي

في ضوء هذه المعطيات، يمكن القول إن ما يجري اليوم في الجزيرة  هو إعادة تأكيد على حقيقة راسخة: أن وحدة المكونات ليست خياراً ثانوياً، بل ضرورة استراتيجية لضمان الاستقرار. فكلما تعززت هذه الوحدة، تراجعت فرص الفتنة، وازدادت قدرة المجتمع على مواجهة التحديات، وصناعة مستقبل أكثر

أمناً واستقراراً للجميع.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى