مقالات رأي

سـ.ـقوط للإدارة الذاتية أم سقـ.ـوط لسوريا؟

محسن عوض الله

لم يكن اتفاق 29 يناير بين حكومة دمشق وقوات سوريا الديمقراطية مجرد إتفاق عابر أو خبر صحفي يمكن تجاوزه شأن مئات الأخبار التي ترد يومياً من سوريا وبقية عواصم العالم.

الإتفاق الذي نص في أحد بنوده على دمج مؤسسات الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا ضمن مؤسسات الدولة السورية، وتثبيت الموظفين المدنيين العاملين في تلك المؤسسات ضمن موظفي الحكومة مثّل لحظة فاصلة أسدلت الستار عمليًا على النهاية مشروع الأمة الديمقراطية وأخوة الشعوب؛ الذي تبنته الإدارة منذ تأسيسها عام 2014 بوصفه أحد البدائل الممكنة لسوريا ما بعد الأسد.

لم يكن اتفاق يناير مجرد نهاية لكيان إداري، أو إعادة ترتيب سلطات محلية، بل هو سقوط لتجربة سياسية كاملة، حملت في جوهرها محاولة جادة – مهما اختلفنا معها – لكسر النموذج السوري التقليدي القائم على الإقصاء والخوف واحتكار السلطة، تجربة صمدت لسنوات في مواجهة هجمات عسكرية متكررة، وضغوط أمنية، وأزمات داخلية، ومحاولات تفجير من الداخل لم تتوقف، قبل أن تُستنزف وتُترك وحيدة في لحظة إقليمية ودولية لم تكن ترحم أحدًا.

سقط المشروع بعدما تآمرت عليه قوى إقليمية ودولية، وبعدما فُتحت حدوده لميليشيات مأجورة استباحت الأرض وروّعت المدنيين، في مشهد بدا وكأن المطلوب لم يكن فقط إسقاط الإدارة، بل قتل الفكرة نفسها؛ فكرة الديمقراطية وأخوة شعوب يريد لها الغرب أن تبقي مختلفة متحاربة كي تسهل السيطرة عليها.

سقط المشروع رغم امتلاكه مقومات البقاء، ورغم حمله تصورًا لدولة قانون تقوم على المساواة، لا على الهوية الضيقة أو الثأر التاريخي، دولة لا يُسلب فيها الكردي حقه، ولا يُضيَّق فيها على الإيزيدي في دينه، ولا يُكفَّر العلوي، ولا يُخوَّن الدرزي. ولا يدفع الجزية أي مسيحي، دولة لا أفضلية فيها لعربي على كردي أمام القانون، ولا يشعر فيها أحد بأنه مواطن مؤقت أو فائض عن الحاجة، دولة لا تُستباح فيها الأعراض والممتلكات بسبب رأي سياسي أو انتماء مذهبي.

كانت الإدارة الذاتية رغم كل التحفظات عليها والانتقادات التي طالت أداءها أقرب لنقطة ضوء أثبتت للسوريين إن العيش المشترك ليس شعارًا للاستهلاك الإعلامي، بل خيارًا ممكنًا يمكن تطبيقه.ومع سقوط هذا المشروع، بدا مشهد الشماتة في أولئك الذين حملوا لواءه أكثر فقرًا من أن يُناقش.

السؤال الحقيقي الأن ليس من انتصر؟ بل من خسر؟ وهل يستحق الذين حملوا هذا المشروع، ودفعوا أثمانه السياسية والعسكرية والإنسانية، السخرية والاستهزاء؟ أم أن الخسارة أكبر من حسابات المنتصرين المؤقتين؟

الخاسر الأكبر الآن هو سوريا، الخاسر هو السوري الذي حلم بدولة تحميه من إعادة إنتاج الاستبداد بأسماء جديدة. الخاسر هو من دفع، على مدار أكثر من أربعة عشر عامًا، دماءً وبيوتًا وأعمارًا ثمنًا للحرية والديمقراطية، ليجد نفسه اليوم أمام مشهد يعيد تدوير الماضي بدل القطيعة معه. بسقوط مشروع الأمة الديمقراطية، خسرت سوريا أحد آخر المشاريع السياسية التي حاولت، بصدق أو بخطأ، تقديم بديل عن منطق الدولة الأمنية والحزب الواحد.

اليوم، يتصاعد القلق في أوساط واسعة من السوريين من عودة نظام الأسد بصيغة مختلفة، أو – بدقة أكبر – استنساخ حزب البعث بأدوات جديدة، عبر قادة الحكومة الانتقالية الحالية برئاسة أحمد الشرع وقيادات هيئة تحرير الشام.

ختاما .. لم يكن اتفاق يناير نهاية تجربة فحسب، بل جرس إنذار بأن سوريا، في كل مرة تفشل فيها في حماية مشروع جامع، تقترب خطوة إضافية من إعادة إنتاج الاستبداد، وتبتعد أكثر عن الدولة التي خرج السوريون يومًا مطالبين بها دولة الحرية، والكرامة، والقانون. السؤال لم يعد لماذا سقط المشروع، بل هل تمتلك سوريا مشروعاً بديلاً قادراً على توحيد السوريين وتحقيق طموحاتهم؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى