سوريا بين الـ.ـشعوب والأنـ.ـظمة.. البقـ.ـاء لمن؟

محسن عوض الله
بعد سقوط نظام الأسد، عاش العلويون واحدة من أقسى لحظاتهم. الخوف لم يكن مجرد إحساس عابر، بل شعوراً عاماً اجتاح الطائفة التي ارتبط اسمها، ظلماً أو واقعاً، بالنظام السابق.لعقود طويلة، عاش كثير من العلويين في ظل نفوذ سياسي ومكانة اجتماعية وفرتها لهم السلطة، أو هكذا بدا.
لم يتوقعوا أن يجدوا أنفسهم، بعد رحيل الأسد، في مواجهة واقع جديد، قاسٍ ومربك، كما حدث في أحداث الساحل.
هناك، سقطت آخر أوهام الحماية، وتكشفت الحقيقة العارية بأن الأنظمة لا تحمي أحداً حين تسقط، بل تترك خلفها شعوباً تواجه مصيرها وحدها.
ما جرى لم يكن استثناءً، بل درساً بالغ القسوة. درس يقول إن البقاء للشعوب لا للأنظمة، وإن الرهان على السلطة وحدها هو رهان قصير النفس، مهما طال عمره.
وحده التكامل بين المكوّنات، والاعتراف المتبادل، وبناء الثقة بين الناس، هو ما يصنع شبكة أمان حقيقية في لحظات التحوّل والانهيار.
اليوم، تبدو الصورة مقلقة حين نرى بعض العشائر العربية وكأنها تسير في الطريق ذاته، فتتحول إلى أداة بيد سلطة قائمة، في مواجهة إخوتهم من الكرد أو المسيحيين أو العلويين أو الدروز.
مشهد يعيد إلى الأذهان تجربة سابقة، أثبتت فشلها وكلفتها الباهظة. ربط المصير بنظام، أيّاً كان اسمه، هو مغامرة قد تنتهي بثمن تدفعه العشائر نفسها حين يتغير المشهد السياسي، أو يرحل هذا النظام كما رحل غيره.
سوريا لم تكن يوماً ملكاً لحاكم، ولا امتيازاً لطائفة، ولا غنيمة لعشيرة.كانت دائماً وطناً متعدد الوجوه، متشابك المصالح، لا يمكن أن ينهض إلا بجميع أبنائه.
العشائر العربية التي تقاسمت الأرض والماء والخبز مع الكرد في الشمال والشرق؛ تعرف جيداً أن ما يجمعهم أعمق من أي خلاف عابر.
والمسيحيون الذين كانوا جزءاً أصيلاً من حياة المدن والقرى السورية؛ لم يكونوا يوماً خارج النسيج، بل في قلبه. وكذلك الإيزيديون والدروز والشيعة والسنة والعلويون، لكل منهم حكاية، لكن الحكاية الكبرى واحدة.
الدفاع عن سلطة مهددة بالرحيل ليس بطولة، بل مقامرة خاسرة، فالرهان الحقيقي على الناس، ووحدة الشعوب، على فكرة الوطن التي تتجاوز الحكام والأنظمة.
الكراسي لا تدوم، والتحالفات تتبدل، أما الأرض فلا يحميها إلا أهلها حين يدركون أن مصيرهم واحد.
ربما على العشائر العربية أن تتوقف قليلاً أمام تجارب الآخرين، وأن تقرأ التاريخ القريب بعين أكثر هدوءاً، فقوتها الحقيقية لا تكمن في قربها من سلطة، بل في عمقها الاجتماعي، وفي تحالفها الطبيعي مع بقية المكوّنات السورية مع الكرد، والمسيحيين، والإيزيديين، والدروز، والشيعة، والسنة. هؤلاء ليسوا خصوماً ولا عبئاً، بل شركاء وطن، وشركاء مصير.
في النهاية، لا يحرس سوريا نظام، ولا ينقذها زعيم، ولا يصونها جهاز. الذي يحمي سوريا هو وعي أبنائها، وقدرتهم على تجاوز الخوف، وإدراكهم أن الوطن أكبر من الجميع.قد ترحل الأنظمة فجأة، وقد تتبدل الموازين، لكن ما سيبقى دائماً هو الناس، وما يجمعهم من مصير واحد لا يحتمل القسمة.




