مقالات رأي

إضاءة على حِراك العلويين الجديد .. والشيخ غزال غزال هو قائد الثورة أم مرجعها؟

كمال حسين
بعد عام كامل من الصبر على الجوع ومكابدة ظروف العيش في ظل القلق والخوف من القتل والسبي والتهجير؛ يخرج العلويين إلى الساحات والميادين العامة في مدن وبلدات الساحل السوري، وفي مناطق الوسط وغرب حماه على إثر دعوة من الشيخ “غزال غزال” رئيس المجلس العلوي في سوريا والمهجر؛ للعلويين والسوريين عامة إلى الاعتصام السلمي احتجاجاً على الممارسات الوحشية والمجازر بحقهم من قبل سلطات حكومة الشرع، وللمطالبة بالإفراج عن آلاف المعتقلين بدون محاكمة، إضافة إلى وضع حد لمجازر الإبادة والتنكيل اليومية في حمص. وبالتواقت مع اقتراب الذكرى السنوية الأولى لسقوط نظام بشار الأسد؛ يمكن القول وبكل حزم بأن رسائل عديدة قد نجحت خطوة الشيخ غزال غزال في إيصالها إلى الرأي العام وإلى المعنيين بتلقيها.
فمن حيث الشكل تقول الوقائع إن اختراقاً مهماً في جدار الخوف قد أحدثته مبادرة الشيخ على أرضية السرعة المفاجئة في تدفق عشرات الآلاف من المحتجين السلميين إلى ميادين الاعتصام بعد ساعات قليلة من إطلاق الدعوة للتظاهر، هذه الملاحظة التي تفيد بأن مئات الألوف الأخرى، وربما الملايين كانت في طور الترقب والاستعداد للانخراط في حملة احتجاج وطنية واسعة النطاق.
وبالانتقال إلى زاوية النظر التي تتعلق بالشعارات التي اهتمت جهود المحتجين على إطلاقها؛ فـ للحقيقة كانت سلمية بحتة، وسجلت انطباعاً حضارياً، وسلوكاً ديمقراطياً لافتاً لم تنحدر فيه إلى أية مطبات طائفية كما يحاول البعض أن يشيع، بل ركزت على الدفع بالروح الوطنية حين طغى شعار “واحد واحد الشعب السوري واحد”، ثم “حمص نحن معاكي”، والقول باللامركزية في الدولة المدنية الديمقراطية.
ومن المهم الإشارة إلى أن هذه التطورات تجري في مناخ سيطرت فيه على الكتلة الاجتماعية العلوية بعد سقوط نظام الأسد، وتفشي أعمال الظلم والانتقام الجماعي بحقهم. حيث استبعدوا بشكل منهجي من وظائفهم في الدولة والجيش، وحُرِّمَ عشرات آلاف الأسر من رواتبهم المستحقة.
سيطرت أنماط من مشاعر اليتم والخذلان، وغياب السند الدولي عندما تقودهم أحاديثهم إلى المقارنة مع حالة المكون الدرزي في الجنوب، والكرد في الشمال، ومع واقع باقي المكونات التي رغم التعسف الواقع حول حياتها ومصيرها، إلا أنها تبقي أحسن حالاً، وأقدر على امتلاك أسباب الحماية والدفاع عن نفسها.
إنه المناخ الذي تراكمت في حيثياته عوامل اليأس والإحباط الذي كان من شأنه تكبيل حياة العلويين، وخلق كرهٍ شديدٍ لدور عائلة الأسد، وكذلك خلق الكره والتوجس من الدور الروسي والتركي؛ حيث يندرج في هذا الإطار تسجيل فشل ذريع لعمل المخابرات التركية في محاولاتها شراء الذمم، واستمالة بعض الرموز في صفوفهم.
إن العلويين الذين كسروا حاجز الخوف في تدفقهم إلى الشوارع بطريقة سلمية راقية قد نجحوا، ونجحت قيادة حراكهم الثوري الواعي في تسجيل كل نقاطها قبل أن تطلب منهم العودة إلى بيوتهم استباقاً لمحاولات السلطات الداعشية القائمة الدفع بمظاهراتها الطائفية الرعناء المضادة، وقطعاً لأي طريق نحو التصادم، والذي مازال التهديد به قائماً ومستمراً.
وبالعودة إلى مناخ الألم والقهر والإحباط الذي خيَّمَ على حياتهم طيلة عام من عمر سلطة أصحاب شعار “من يحرر يقرر” قد جعل إحساس كل علوي إنه والجماعة التي ينحدر من صفوفها مقطوعون من شجرة، وأن كابوس الاقتلاع والبحث عن مكان آخر في هذا العالم لم تبرح مخيلتهم الجمعية، هذه المخيلة التي على تربتها نشأت انتفاضتهم الجديدة يوم 25 تشرين الثاني / نوفمبر، بل هي الهوة التي حدثت بعد أن استُدْرِجوا إلى إلقاء أسلحتهم، وسعت الانتفاضة السلمية أن تجرها نحو استعادة ثقتهم بأنفسهم وبحلفائهم في الوطن والمجتمع. وعند هذا المفصل من صيرورة الحدث السوري العام؛ تقتضي الموضوعية في المتابعة التوقف عند تنامي تقدير عموم العلويين لتعاطف إخوتهم السوريون من التشكيلات المدنية الديمقراطية، وفي تحالف مشروع قسد الديمقراطي الوطني المنادي بوحدة البلاد على قاعدة اللامركزية والأخوة والتشاركية المتكافئة من قبل جميع المكونات. وأن وقعاً خاصاً في هذا التطور، وتثميناً عالياً قد جاء مع الموقف الذي أطلقه الجنرال الوطني المحبوب “مظلوم عبدي” والذي حدد فيه إن لا مفاوضات مع حكومة الشرع بعد الآن ما لم يشارك فيها ممثلون عن العلويين والدروز.
وضمن تداعيات الانهيار الحاصل في مقومات الوحدة الوطنية جراء التغول في فرض قيم الأسلمة والتطييف والإرهاب على حياة السوريين؛ تجدر الإشارة إلى ولادة وعي معاكس يتنامى تأثيره بوتائر كبيرة في أوساط النخب العلوية، وفي تعبيرات العامة. وبعد أن توارثت هذه النخب خلال المائة عام الماضية مهام طليعية في المشروع القومي العربي بل بعد أن اكتشفت ذاتها، وقد وُلِدَتْ في قلب المشروع النهضوي العربي، وقضية فلسطين تعصف في أفكارها اليوم هموم المراجعة والبحث عن ذوات جديدة في خارج ما درجت مدرسة البعث واليسار القومي على زرعه في رؤوس الأجيال المتعاقبة، وتقفز إلى ساحة التفكير بقوة آراء من يقولون إن أصل العلويين سريان أو كرد أو من الفينيقيين القدماء.
وعلى نحو مشابه، فإن مساعي الإسلام السياسي المحمومة لإخراج العلويين من الجغرافيا، وتنميط التاريخ حول مسارهم سيؤدي بالعلويين بالنهاية إلى إخراج هذا التاريخ كله من رؤوسهم، وهنا لا يجوز أن يتغاضى البحث عن متلازمة الأمراض الثلاثة التي تتحكم بالوعي السياسي العام، والتي تقول هنا كلنا عرب، وكلنا مسلمون سنة، ويتربص بنا عدو واحد لا قبله ولا بعده، وهو إسرائيل.
فالمنطق يقول، وتعقيدات المشهد العلوي وتفاصيله تقول “قد لا يكون الشيخ “غزال غزال” مرجع العلويين الروحي الأول؛ لكنه بحق، وبعد الانتفاضة الهادفة، والتي أدارها بالمعية وبجرأة فائقتين؛ قد صار في موقع من يشغل مرجعيتهم الوطنية، وقائد حراكهم الثوري بلا منازع.
وفي التدقيق لم يختر العلويون طيلة تاريخهم، ولم تنتخب هيئاتهم الدينية يوماً مرجِعاً روحياً واحداً جامعاً لسبب واضح وبسيط؛ هو أنهم ليسوا طائفة بالنهاية، ولم يكونوا يوماً جماعة موحدة الإرادة والتفكير والطرائق، إنما هم أتباع طرائق صوفية لا تبشيرية تهتم بالذات الإلهية، وتعتمد في الرؤية الفلسفية على إمكانية الفيض فيها، وبذلك تصبح اهتماماً فلسفياً بحتاً في جذوره؛ لا شأن كبير للعامة فيه، نشاطه الدعوي يتجه إلى تبني قيم المحبة والسلام، والتخلق بمكارم الأخلاق، لا يحمل اعتقادهم خطاباً سياسياً، كما لا يصلح لاهتمام من هذا النوع. وعليه يميل التقييم إلى تصنيف العلويين كبيئة اجتماعية خاصة أقرب في عواملها المشتركة إلى ماهية العرق أو الأمة أكثر من ميلها إلى توصيف الطائفة.
وبمقتضى هذه التوطئة سيكون من غير الجائز التداول في مسألة وجود مرجع علوي مركزي موجه واحد لأنهم كما أسلفنا ليسوا طائفة، وليسوا قطيعاً. ففي كل مدينة أو حتى يكاد في كل قرية من يصلح لدور المرجع وليس من معاناتهم في شيء فقدانهم لدور المرجع؛ بل إن ما تحتاجه قضيتهم هي وجود طبقة سياسية واعية أو أحزاب متجذرة في صفوفهم تلهم نضالهم، وتتحدث عن قضيتهم في المحافل الدولية، وأمام وسائل الإعلام بصوت واحد، وبرنامج واضح. الأمر الذي لم يكن متوفر بالمعنى السياسي الملموس حتى الآن؛ رغم كثرة الأجنة والحركات المتنطحة لهذه المهمة.
وحده الشيخ غزال غزال في المؤسسة الدينية العلوية من التقط اللحظة التاريخية المتاحة لتحقيق الانعطاف المطلوب، ووحده من جلس في كرسي قمرة القيادة الفارغ؛ فاستحق بذلك لقب موجه حراكهم، والقائد المنتظر لثورة العلويين بدون منازع.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى