مقالات رأي

الاحتلال الإسرائيلي والتركي في سوريا والتعتيم الإعلامي الداخلي من قبل الحكومة الانتقالية

تشهد الساحة السورية واحدة من أعقد المراحل في تاريخها الحديث، حيث تتداخل عوامل الاحتلال الخارجي مع الانقسامات الداخلية، في مشهد يهدد وحدة البلاد ومستقبلها. ففي الأيام الأخيرة، أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس بشكل صريح أن إسرائيل لن تتراجع عن جبل الشيخ ولن تغادر سوريا، وهو تصريح يعكس سياسة احتلالية واضحة تهدف إلى تثبيت السيطرة على أراضٍ سورية جديدة وتوسيع النفوذ العسكري في منطقة بيت جن وتل باط الوردة عند سفح جبل الشيخ. هذا الإعلان ليس مجرد موقف سياسي عابر، بل هو تأكيد على أن إسرائيل تسعى إلى فرض أمر واقع جديد في الجولان ومحيطه، مستغلة الظروف الإقليمية والدولية لتبرير وجودها العسكري تحت ذريعة حماية أمنها القومي بعد أحداث السابع من أكتوبر.

في الوقت ذاته، يتواصل الاحتلال التركي في شمال سوريا، حيث يفرض سيطرته على مناطق واسعة من إدلب وعفرين ورأس العين وتل أبيض، ويعمل على تغيير ديموغرافي ممنهج عبر تهجير السكان الأصليين وتوطين جماعات موالية له. هذا التغلغل التركي لا يقل خطورة عن الاحتلال الإسرائيلي، إذ يسعى إلى تثبيت نفوذ طويل الأمد يهدد الهوية الوطنية السورية ويقطع أوصال البلاد. وبينما يرفع الاحتلالان الإسرائيلي والتركي شعارات الأمن القومي والمصالح الاستراتيجية، فإن الواقع يكشف أن الهدف الحقيقي هو السيطرة على الأرض وإضعاف الدولة السورية، بما يجعلها عاجزة عن استعادة سيادتها الكاملة.

أمام هذه التحديات المصيرية، كان من المتوقع أن تتوحد القوى السياسية والإعلامية السورية في مواجهة الاحتلالين، وأن يتركز الخطاب الوطني على فضح الانتهاكات الإسرائيلية والتركية والدعوة إلى مقاومتهما. إلا أن ما نشهده عملياً هو عكس ذلك تماماً، حيث تبقى الحكومة الانتقالية بعيدة عن مواجهة هذه القضايا الجوهرية، ولا تتطرق إلى الاحتلالين الإسرائيلي والتركي في خطابها الإعلامي، بل تركز جهودها على تأجيج الوضع الداخلي السوري. يتم ذلك من خلال التحريض ضد المكونات الوطنية المختلفة، سواء الكرد أو العلويين أو الدروز أو قوات قسد، وهو ما يؤدي إلى إضعاف الصف الوطني وتفتيت وحدة المجتمع، ويجعل السوريين منشغلين بصراعات داخلية بدلاً من مواجهة الخطر الخارجي الذي يهدد وجودهم.

إن خطورة هذا التعتيم الإعلامي تكمن في أنه يخدم عملياً مصالح القوى المحتلة، إذ يساهم في إشغال السوريين بخلافات داخلية ويصرف الأنظار عن القضية الكبرى المتمثلة في مواجهة الاحتلال. فبينما يرسخ الاحتلال الإسرائيلي وجوده في جبل الشيخ ويواصل الاحتلال التركي سيطرته على الشمال السوري، يبقى الإعلام الداخلي منشغلاً بتأجيج الفتنة بين المكونات، وهو ما يضعف أي إمكانية لبناء موقف وطني موحد. هذا النهج لا يضر فقط بالوحدة الوطنية، بل يفتح الباب أمام مزيد من التدخلات الخارجية، ويجعل البلاد أكثر عرضة للتجزئة والانقسام.

المطلوب اليوم هو خطاب وطني جامع يعيد ترتيب الأولويات، ويضع مواجهة الاحتلالين الإسرائيلي والتركي في صدارة الاهتمام، مع كشف محاولات التحريض الداخلي التي تهدف إلى تفتيت المجتمع السوري. إن الدفاع عن الأرض والسيادة لا يمكن أن يتحقق في ظل الانقسام والفتنة، بل يحتاج إلى وحدة الصف وإلى إعلام مسؤول يفضح الاحتلال ويعزز روح المقاومة الوطنية. فالقضية الكبرى التي توحد السوريين جميعاً هي الدفاع عن أرضهم وسيادتهم، ومواجهة كل أشكال الاحتلال، سواء كان إسرائيلياً أو تركياً، وعدم السماح لأي جهة داخلية أو خارجية باستغلال الانقسامات لإضعاف الموقف الوطني.

في النهاية، يمكن القول إن سوريا اليوم أمام مفترق طرق حاسم: إما أن تستمر في الانشغال بصراعات داخلية تخدم الاحتلالين، وإما أن تعيد توجيه بوصلتها نحو القضية الوطنية الأساسية، وهي تحرير الأرض ومواجهة الاحتلال. إن التاريخ لن يرحم من يتجاهل هذه الحقيقة، والشعب السوري يستحق خطاباً صادقاً ومسؤولاً يضع مصلحته العليا فوق كل اعتبار، ويعمل على بناء وحدة وطنية قادرة على مواجهة التحديات المصيرية التي تهدد وجوده ومستقبله.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى