مقالات رأي

الحكومة السورية الانتقالية بين خطاب الوحدة وممارسة التجزئة

منذ سقوط النظام المجرم البائد، بدت الحكومة السورية الانتقالية عاجزة عن توحيد مؤسسات الدولة وإعادة إنتاج سوريا على قاعدة لا مركزية حديثة، ورغم سيطرتها على حلب ودمشق، تحوّل خطابها من التبشير بسوريا موحدة إلى ممارسات تكرّس تفكيكها إلى أربع دويلات متنافرة، هذا التناقض بين النظرية والفعل ظهر بوضوح.
في العلن تحافظ الحكومة على شعاراتها الوطنية وعلاقاتها الخارجية، حرصًا على طمأنة القوى الإقليمية المرتابة، وفي مقدمتها تركيا، وهو ما دفع بالرئيس أحمد الشرع إلى إطلاق تصريحه الأخير والمريب، حين أعلن أنه مستعد للحوار على جميع المستويات السياسية والإدارية، باستثناء مطلب الانفصال أو التقسيم. هذه الجملة العابرة تحمل أكثر مما تُظهر؛ ففي البعد النفسي، غالبًا ما يكشف الإنسان في صيغة النفي ما يعتمل في داخله من رغبات أو هواجس، فينطق بما يخشاه أو يطمع فيه ثم يسارع إلى رفضه علنًا، وكأن الرفض محاولة لإقناع الذات قبل الآخرين. بهذا المعنى، فإن استثناء الانفصال من دائرة الحوار لا يعبّر عن قوة موقف بقدر ما يكشف عن قلق عميق من أن يتحول هذا المطلب إلى واقع سياسي لا يمكنه التحكم به، أو أن يُقرأ كاستجابة غير مرغوبة للإملاءات التركية التي تُعدّ أكثر الأطراف حساسية ورعبًا من الفيدرالية أو أي مسار يُفضي إلى كيان كوردستاني واضح المعالم.
أما في الواقع فأساليب إدارتها تكشف تنصلًا متعمّدًا من المسؤولية عن بقية المناطق، سواء في شرق الفرات، أو في الساحل السوري، أو بين الموحدين الدروز، وهنا يتم عزل منطقة عفرين والباب وجرابلس لأنها أصبحت مناطق تابعة لتركيا فعليا.
ففي منطقة الإدارة الذاتية مثلًا، ما زالت الهيئتان التشريعية والقضائية معطلتين، ورواتب الموظفين مقطوعة، على الرغم من التدفقات المالية الضخمة التي حصلت عليها الحكومة الانتقالية من السعودية وقطر، بل إن السلطات في دمشق رفضت حتى منح تراخيص لخريجي كليات الطب والصيدلة من أبناء المنطقة، بحجة أن الإدارة الذاتية غير مخوّلة، وكأنها كيان أجنبي خارج الدولة، هذه الممارسات ليست تفاصيل إدارية هامشية، بل رسائل سياسية صريحة تقول للإدارة الذاتية، “تصرّفي كمؤسسة دولة مستقلة”، مع أنها ترفض رسميًا الاعتراف بهذا الواقع.
من منظور سياسي أوسع، فإن التردد في تفعيل المؤسسات التشريعية والقضائية، وإن كان محاولة لتجنب الطعن في وطنية الحراك الكوردي وقوى الإدارة الذاتية، إلا أنه في المحصلة يرسّخ عمليًا فكرة الفيدرالية التي طالما نادى بها الكورد. لقد أثبتت تجارب العالم أن غياب الاعتراف الرسمي لا يمنع ولادة كيانات أمر واقع؛ والعراق مثال قريب، حيث تشكل إقليم كوردستان أولًا كإدارة محلية معطلة الصلاحيات، ثم ترسّخ ككيان دستوري معترف به بعد 2003.
السؤال الجوهري هنا، هل تنتظر الإدارة الذاتية دعمًا دوليًا مباشرًا من واشنطن ودول التحالف، وهي تعلم أن تركيا تعمل منذ أكثر من خمسة عشر عامًا على إفشال أي مشروع فيدرالي في سوريا، أم أن عليها أن تثق بذاتها وتبدأ بترسيخ نموذج سياسي، إداري كامل، ليكون أمرًا واقعًا تفرضه على طاولة المفاوضات مع دمشق لاحقًا؟ إن القناعة الذاتية وحدها لا تكفي؛ بل يجب أن تُترجم إلى مؤسسات حقيقية تمارس السيادة اليومية، حتى لو تحت اسم “إدارة” لا “دولة”.
ولم يكن المشهد محصورًا بالإدارة الذاتية، فبعد البيان الصادر عن المجلس السياسي لوسط وغربي سوريا، المتحدثين باسم المكون العلوي، والذي دعا إلى إقامة فيدرالية بنظام لا مركزي سياسي، وكيان يضم اللاذقية وطرطوس وأجزاء من حمص، اندلعت تحركات مضادة في دمشق استهدفت المكون العلوي بطردهم من حي السومرية، مما أعاد إلى الأذهان نذر التقسيم الطائفي، لا شك ان بين ساكني الحي من فلول النظام المجرم البائد، وأياديهم ملطخة بدماء الشعب السوري، لكن يجب التعامل مع الماضي من خلال المحاكم وليس التهجير والقتل المؤدي إلى تصعيد نزعة التقسيم.
وفي محاولة لاحتواء الموقف، سارع أحمد الشرع، الملقب بالجولاني، إلى زيارة حمص وحماة، متوددًا لأهاليهما عبر تذكيرهم بأن زوجته من حمص، وكأنه يستعير قرابة شخصية ليكسو بها أزمة سياسية. كانت تلك رسالة مبطنة لطمأنة العلويين بأن البيان الأخير لا يعني قطيعة معهم. وكرّر الأسلوب ذاته مع الدروز، مستخدمًا خطابًا يغازل مخاوفهم، في محاولة لاستمالتهم. غير أن جوهر هذه التحركات لم يكن رفض الفيدراليات كما يزعم، بل كان رسم حدود جغرافية للدولة السنية التي يطمح إليها، الممتدة من حلب إلى دمشق مرورًا بحماة وحمص وإدلب، مع محاولة استقطاب العشائر في الجنوب للضغط على السويداء وانتزاع العمق الدرزي منها.
هكذا تتضح المعادلة، الحكومة الانتقالية لا تسعى لإعادة بناء سوريا موحدة، بل لإدارة تفكيكها وفق توازنات القوى وخرائط النفوذ، فالرئيس أحمد الشرع يتنقل اليوم بين دمشق وحلب وكأنه يتفقد أقاليم دولته الوليدة، واضعًا مشاريع إنمائية ظاهرها الخدمات من كهرباء ومياه وإعمار، وباطنها تثبيت سلطة موازية، والسؤال الجوهري هنا، ما الذي تنتظره حكومة الإدارة الذاتية لتقوم بخطوات مماثلة، تبدأ بتقوية بنيتها التحتية، وتوفير الكهرباء، وتأمين المياه، وصرف رواتب القطاعات التي أوقفتها دمشق؟ من دون هذه الخطوات، لن يبنى وطن، ولن تترسخ دولة.
ومع ذلك، تبقى الحقيقة الأشد وضوحًا أن الكلمة الأخيرة ليست بيد حكومة الجولاني، ولا قوى الإدارة الذاتية، ولا حتى الحراك الكوردي أو باقي المكونات السورية منفردة، بل بيد القوى الكبرى والإقليمية التي تكتب النص النهائي للمشهد، من واشنطن وتل أبيب إلى أنقرة وطهران وموسكو.

د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية
29/8/2025م

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى