مقالات رأي

إذا كان الشرع قد أخرجته وحشيته في الساحل من عيون العالم المتمدن فلن يستبشر أردوغان بالكثير في الشيخ مقصود

كمال حسين
بالأمس كانت العربدة الداعشية لنظام الشرع الإرهابي تصدح في ميادين وساحات الساحل السوري وأريافه، وبعده في مدينة السويداء، وبالأمس تماماً عربد رصاص قوات الشرع في صدور معتصمين سلميين في دوار الأزهري باللاذقية، أو قل هكذا؛ كان مسلحيه وباستخدام سلاح الدبابات فوق أجساد مواطنين عزل يجربون أو ينشدون النسخة الجديدة من النشيد الوطني.
بالأمس جاء الغناء والرقص الذي سمعه العالم وسجلته بتوثيق شديد كبريات الصحف العالمية، وكان بصوت أحمد الشرع، وكانت رسالته للشعب السوري ولشعوب الإقليم تقول: “هذا نحن، وهذه طريقتنا لوحدة الدولة والاراضي السورية، وهذا فهمنا للقيم الإسلامية، وتفريطنا بالجولان والمنطقة الجنوبية، لا يندرج في خانة الخيانة الوطنية طالما كان أداؤنا متفقاً مع أجندات الباب العالي في أنقرة، وما دمنا ننفذ أركان الجهاد الأكبر؛ فنقتل العلويين والدروز والمسيحيين، ونشارك الشقيق التركي والخليفة أردوغان قلقه البالغ حيال قسد والكرد.
أما اليوم فالجهاد والتحرير ميدانه حلب وموضوعه قتل وتهجير المواطنين السوريين من المكون الكردي القاطنين في حيي الشيخ مقصود والأشرفية. هذين الحيين المحاصرين منذ أشهر عديدة، يعيش بهما ما يقرب من نصف مليون، ويعانيان من شح المحروقات وانقطاع الخدمات والطحين، ويتعرضان بشكل متكرر إلى الهجمات بالدبابات والمسيرات الانتحارية على منازل السكان المدنيين الآمنين، وذلك من قبل المسلحين التابعين لسلطات الجولاني، وإلى الفصائل الإرهابية التي تتلقى الدعم والتوجيه من قبل الحكومة التركية. ومما يجدر ذكره أنه ومع وصول سلطات الجولاني إلى الحكم، وبضغط وبدفع من السلطات التركية كانت قد جرت عدة مواجهات سابقة في مناطق الشهباء والشيخ مقصود بين قوات قسد والفصائل الإرهابية؛ جرى بنتيجتها توقيع اتفاق بين قسد وسلطات الشرع في شهر نيسان الماضي. خرج بمقتضاه مقاتلو قسد من الشيخ مقصود والأشرفية باتجاه مناطق شرق الفرات، وأبقى الاتفاق قوات الأسايش – الأمن الداخلي في الحيين بمثابة قوات أمن لضبط الأمن والاستقرار. بمعنى وجود الأسايش داخل الحيين هو إجراء متفق عليه، ولم يحدث من قبلها أي خرق أو خلل يعرض بنود الاتفاق إلى الفشل، لكنها الإرادة التركية والسياسة التركية التي لا يناسبها التواجد التاريخي للمكون الكردي في غرب كردستان.
فوفقاً لكل الوقائع والمجريات، ووفقاً لوقائع تصاعد التصريحات والتدخلات التركية لم تعد المواجهات الحاصلة على تخوم الحيين هي مجرد خلافات بين فريقين ضمن المعادلة الوطنية السورية، كما لم تعد مواجهات تستهدف التأثير على وزن أو مكاسب فريق من فرقاء الصراع المحلي الدائر على المسرح السوري على حساب فريق آخر؛ بل أصبحت ترمز إلى تبلور حالة عدوان أو حرب تركية موصوفة ضد الدولة والشعوب السورية بشكل عام، وضد المكون الكردي بشكل خاص، وهي أيضاً لا تطال بعداً محدوداً في الجغرافيا السورية؛ يمكن حصره في حيز الشيخ مقصود أو الأشرفية. بل هي حرب تستهدف انتزاع وتتريك حلب بأكملها، وربما أبعد من ذلك.
وعلى هذه البقعة الصغيرة من الجغرافيا الحلبية السورية دارت مواجهة شديدة الضراوة وعميقة الأبعاد، ينخرط فيها جيش بكامل ثقله وإمكانياته في مواجهة عينة صغيرة من مواطنين كرد سوريين قد قرروا المقاومة، ورفضوا الرضوخ لقرارات باقتلاعهم؛ صدرت في أنقرة. هي مواجهة في حقيقتها مع إمكانية جيش لكنه ليس جيشاً كالجيوش بل مع قطعان من وحوش لا يمتون للبشرية بصلة، أشبه بالجيش الإنكشاري أيام الدولة العثمانية البائدة، لا تعرف قواعد إنسانية، ولا تعترف بها. إنه جيش الجولاني والفصائل التركمانية الإرهابية، الحمزات والعمشات والسلطان مراد وغيرها. تحمل الغل والحقد تجاه الكرد، ولا تعرف غير السرقة والنهب واستباحة الحرمات والتمثيل بالجثث، والتطلع إلى فن الجهاد والتنعم بوهم حوريات هن في الانتظار. ولأن الأمر بهذه الهمجية والتسفيه لقواعد الحروب؛ شهدت مواجهات الشيخ مقصود تركيزاً واضحاً في هجومها على المشفى الوحيد في الشيخ مقصود والأشرفية، مشفى الشهيد خالد.
فإلى ذلك، وعند هذه النقطة المتعلقة باستهداف المنشآت الصحية وكوادر المستشفيات؛ يجب التنويه إلى أنها قد أصبحت قاعدة عامة في حرب جيش نظام الشرع اللاوطني في تنفيذ مهام اقتلاع المكونات السورية من موطنها، وحيث شهد أحد مشافي حمص عدواناً مماثلاً بالأمس للذي جرى في الشيخ مقصود، وقد قضى بنتيجته أربعة أطباء من المكون العلوي.
ولأن هذه الحرب في جوهرها هي حرب اقتلاع عثمانية للمكونات السورية التي لا تروق للباب العالي؛ تكفي الإشارة إلى توثيق حول تفاصيل هذه الحرب، نشرته صحيفة دير شبيغل الألمانية، والتي تحدثت عن حشد أربع فرق عسكرية، وأكثر من 43 ألف مرتزق و110 دبابة وأربعة طائرات بيرقدار تركية الصنع، وعشرات مرابط المدفعية لكسر إرادة حي في مدينة تقوم بحمايته في النهاية عناصر شرطة محلية. نعم هي مواجهة غير متكافئة وفق كل تقاليد الحروب، لكن العبرة فيها إنها صارت تعكس في مجرياتها ونتائجها مَعْلماً من معالم مقاومة الشعوب. هذه المقاومة التي دحرت بتصميمها وقوة إيمانها عشرات الحملات، ودمرت عشرات الدبابات والمسيرات، وقتلت وأسرت المئات. العبرة في معنى أن في اللوحة شعب واعي لدوره ومسؤولياته التاريخية، ولوظيفته في الدفاع عن قضايا السلام والمجتمع الديمقراطي قد قرر الانتصار.
نعم إن العنصر البارز واللافت في هذه المواجهة؛ هو أن شعباً قد قبل التحدي، وهو منذ أن تنطح لمقاومة داعش في بداية نشوئها قد وضع نفسه في مقام من يصنع التحولات المهمة، وليس من ينتظر مصيره بتلقي أمواجها. فالمقاومة بالشيخ مقصود ستكون لها وقعها، وسترسم وقائع وأدواراً تليق بمصطلح مقاومة الشعوب.
وفي الختام، إذا كان صمود العلويين في اعتصامات الساحل السلمية في مواجهة رصاص الشرع
قد حسم في ذهن العالم المتمدن المعركة الأخلاقية مع نظام الشرع؛ فإن مواجهات الشيخ مقصود لن تبشر أردوغان بخير وفير.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى