قوات حكومة دمشق تفرض حظراً للتجوال في اللاذقية.. واعتداءات تطال المدنيين وممتلكاتهم

فرضت قوات الأمن العام التابعة لحكومة دمشق يوم الثلاثاء، حظراً ليلياً للتجوال في مدينة اللاذقية، وسط انتشار أمني واسع وتعزيزات للجيش معززاً بالأسلحة الثقيلة بما فيها الدبابات، مدَّعية أنها تهدف إلى “إعادة الاستقرار إلى المدينة”.
وأعلنت “قوات الأمن العام” أن الحظر يبدأ من الساعة الخامسة مساءً، حتى الساعة السادسة من صباح اليوم الثاني، على خلفية أعمال عنف شهدتها أحياء من المدينة مساء الإثنين، من قبل أطراف موالين للحكومة ومدنيين.
في السياق؛ ذكر المرصد السوري لحقوق الإنسان أن أعمال عنف اندلعت مساء يوم الاثنين في مدينة اللاذقية من قبل موالين لحكومة دمشق، أسفرت عن استشهاد مدني وإصابة 13 آخرين بجروح.
وبحسب مصادر إعلامية متقاطعة؛ فإن مدن الساحل السوري شهدت أعمال عنف من قبل أنصار الحكومة، بعد أن توجَّهت عناصر “منفلتة” من مدينة إدلب إلى اللاذقية ومدن الساحل، أعلنت أنها متوجّهة إلى محاربة “العلويين” في مدنهم، حسب وصفهم. ما أثار موجة من الاستهجان والرفض الشعبي والدولي على الدعوات الطائفية، وأنها يمكن أن تتسبب في اندلاع حرب طائفية واسعة لا يمكن ضبطها.
جاءت ردود الفعل عقب التظاهرات التي شهدتها المدينة ومعظم مناطق الساحل السوري، بعد الدعوة التي وجّهها رئيس المجلس الإسلامي العلوي الأعلى في سوريا والمهجر الشيخ “غزال غزال”، يوم الأحد الماضي بالخروج في تظاهرات سلمية تطالب بالفيدرالية وإطلاق سراح جميع المعتقلين، ووقف سبي النساء، وعمليات استهداف العلويين على أساس طائفي، وتعاملت قوات الأمن وعناصر وزارة الدفاع السورية بمزيد من العنف مع المتظاهرين، عبر إطلاق النار المباشر عليهم، فيما عمد موالون لها من أحياء ذات غالبية سنية في اللاذقية إلى ضرب المتظاهرين بالسيوف والسكاكين، ما أدى إلى استشهاد ثمانية مدنيين وجرح العشرات.
وبحسب إفادات سكان المدينة ومقاطع فيديو جرى تداولها على وسائل التواصل الاجتماعي، حمل التعامل مع المتظاهرين طابعاً طائفياً، ردد خلالها الموالون للحكومة شعارات وشتائم ضد العلويين.
في السياق ذاته، أفاد سكان في مدينة اللاذقية لوكالة فرانس برس بتعرّض أحياء ذات غالبية علوية لهجمات وأعمال نهب مساءً، قبل أن يعود الهدوء إلى المدينة عقب انتشار قوات الأمن، وفق ما أعلنه التلفزيون الرسمي السوري.
كما أكد مراسل فرانس برس عودة الهدوء بالتزامن مع انتشار قوات الأمن في عدد من الشوارع، بعدما كان سكان قد أفادوا مساء بتعرّض ممتلكات خاصة للتخريب، شمل سيارات ومحال تجارية.
وقال المرصد السوري لحقوق الإنسان إن محافظة اللاذقية شهدت أعمالاً تخريبية واسعة طالت ممتلكات مدنيين.
وبحسب مصادر محلية وشهود عيان نقل عنهم المرصد، تحولت حالة الفوضى التي شهدتها المدينة مساء أمس إلى أعمال تخريب وسلب ونهب، طالت ممتلكات خاصة وعامة.
وذكر المرصد أن الأضرار شملت محالاً تجارية، لا سيما محال بيع الهواتف المحمولة، إضافة إلى تكسير زجاج عدد من السيارات المركونة في الشوارع، وسرقة محتويات بعضها، وحرق سيارات أخرى، في أعمال وُصفت بأنها جرت بشكل عشوائي، وعلى أساس طائفي.
وشكّلت التظاهرات في الساحل السوري، بحسب مراقبين، محطة مفصلية في الحراك السياسي والاحتجاجات من قبل الطائفة العلوية، وأنها بداية لانتفاضة شاملة، بعد الانتهاكات التي تعرّضوا لها من قبل فصائل وجماعات تابعة لحكومة دمشق منذ مارس/ آذار الماضي، واستمرت حتى يومنا، عبر القتل العشوائي وعمليات خطف النساء والاعتقالات، حيث طالت تلك الممارسات أبناء الطائفة في حمص، دمشق وحماة ومدن أخرى أيضاً.
فيما يربط البعض الحراك القوي في الساحل، بتلقّي جماعات سياسية تقود الحراك، وخاصة الشيخ “غزال” دعماً سياسياً من دول قوية وفاعلة على الأرض في سوريا، مثل فرنسا، التي تعمل على تعزيز حضورها في الساحل. وذكرت بعض المصادر الموثوقة من الساحل، أن لا أحد يعوّل على دور روسي في دعم الحراك الشعبي للعلويين، رغم تواجد قاعدتين عسكريتين كبيرتين في الساحل “حميميم” وفي طرطوس.
من جانب آخر، حاولت بعض الجهات الإعلامية التي تمتهن التحريض الطائفي وزيادة عملية الاستقطاب في سوريا، على اتهام قوات سوريا الديمقراطية بالوقوف وراء تظاهرات الساحل. ولكن البيانات الصادرة عن الإدارة الذاتية ومجلس سوريا الديمقراطية، فندت كل تلك المزاعم، ودعت الحكومة إلى اتباع أسلوب التهدئة وعدم التعامل بعنف مع المتظاهرين.
فيما ذهبت أطراف أخرى إلى الاعتقاد بأن تزامن الهجمات على أحياء الشيخ مقصود والأشرفية، وكذلك في سد تشرين، إضافة إلى تعامل القوى الأمنية التابعة للحكومة بعنف مع تظاهرات الساحل، لم تكن صدفة. وأن أطرافاً متنفذة داخل أوساط الحكومة الراهنة، تسعى عن طريق افتعال الفوضى العسكرية لتقويض اتفاقية 10 مارس/ آذار، حيث من المتوقع أن يتم التوقيع على تفاصيل بنودها خلال الأيام القليلة المقبلة. وأن الحكومة تعمل على إثارة تلك الفوضى واتهام (قسد) في تظاهرات الساحل، للتهرب من التزاماتها في التوقيع على الملفات التنفيذية للاتفاقية، خاصة بعد أن أعلنت قوات سوريا الديمقراطية أنه تم الاتفاق على مسألة الاندماج العسكري والأمني. وبالتالي ترى تلك الأطراف أنه لا مصلحة لـ(قسد) في إثارة أي فوضى عسكرية، إن كان في الساحل أو في أحياء الشيخ مقصود والأشرفية، وهي – أي قسد – هي أولى المتضررين من أي انفلات أمني، وفي أي منطقة في سوريا. وأن فصائل تابعة للاحتلال التركي تعمل على خلط الأوراق وتعكير الأجواء لمنع التوقيع على الاتفاقية التي تتم برعاية دولية، وتجاول إلصاق كل ما يحدث في سوريا بـ(قسد).
الضغط المُمارس من قبل حكومة دمشق على الطائفة العلوية، ولَّد ردَّة فعل عنيفة، ترجمها أبناء المنطقة عبر النزول إلى الشوارع والساحات العامة، والأيام القادمة تنذر باتساعها والتحول إلى انتفاضة شاملة، قد لا تستطيع دمشق إنهاءها عن طريق العنف والزج بقوتها العسكرية، أو حتى الاستنجاد بما تسمى “فزعة العشائر”. فما بعد أحداث السويداء، هناك معطيات سياسية وعسكرية جديدة أفرزتها جملة الأحداث في سوريا والمنطقة، بحيث كبّلت يد الحكومة في التعامل مع أي حدث أمني أو تظاهرة وفق المنطق الأمني فقط، وهناك رقابة وشروط دولية وإقليمية تَحدُ من قدرتها على تكرار ما حدث في الساحل خلال شهر مارس/ آذار الماضي، أو في السويداء.
وتفيد معلومات خاصة داخل أروقة السلطة في دمشق، أن داخلها عدة تيارات واتجاهات متصارعة فيما بينها، وهي منقسمة وكل جهة تعمل لصالح جهة خارجية. وتعمل أطراف منها على تأجيج الأوضاع والتعامل بمزيد من العنف مع كل صوت يعارض السلطة الراهنة، وتستخدم ورقة ما تسمى “المجاهدين الأجانب” كتهديد ضد خصومها داخل السلطة، وتدعو إلى إخماد كل الأصوات المنادية بالحوار والعودة إلى صوت العقل.




