الكرد الحليف الأمريكي الذي لا يمكن تجاوزه

د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية
31/12/2025م
الحلقة الخامسة من سلسلة تحليلية..
أظهرت الشهور الأخيرة، لا السنوات، أن منطق الدولة العميقة العصرية في إدارة الشرق الأوسط يقوم على معادلة خطيرة، المال أولًا، ثم إعادة تدوير الخصوم تحت لافتة “محاربة الإرهاب”، ولو على حساب الحليف الأكثر موثوقية. ففي ولاية دونالد ترامب الثانية، بدا واضحًا حجم التأثير الذي مارسته مليارات دول الخليج، ولا سيما السعودية وقطر، إلى جانب اللوبي التركي، في إعادة ترتيب الأولويات الأمريكية في سوريا، عبر التحالف مع ما سُمّي بالحكومة السورية الانتقالية، تحت ذريعة مكافحة الإرهاب، لا بوصفها استراتيجية أمنية حقيقية، بل كخدعة سياسية لإخراج تنظيمات كانت حتى الأمس القريب في صدارة قوائم الإرهاب من هذا التصنيف، وتقديمها للعالم بلباس “الاعتدال”.
في المقابل، رافق هذا التحول سعيٌ واضح، مباشر أحيانًا وموارب في أحيان أخرى، لتقليص الدعم الأمريكي للقوى الكردية، وفي مقدمتها قوات سوريا الديمقراطية والإدارة الذاتية، رغم أنها الحليف الأكثر ثقة وفعالية في محاربة الإرهاب نيابةً عن العالم أجمع، لا بالشعارات، بل بالدم والتضحيات والانضباط الميداني، والمفارقة أن هذا المسار، لا يهدد الكرد وحدهم، بل يفتح الباب واسعًا أمام ارتدادات أمنية ستكون، إن استمرت، وخيمة على أمن الولايات المتحدة نفسها، وعلى أمن إسرائيل، وعلى استقرار المنطقة والعالم.
لقد أثبت الكرد، سياسيًا وعسكريًا، أنهم شريك يمكن الوثوق به في أكثر البيئات تعقيدًا واضطرابًا. لم يكونوا قوة مغامِرة، ولا مشروعًا انفصاليًا، ولا طرفًا يبحث عن الفوضى، بل عامل استقرار فعلي، وقوة محلية تمتلك مشروعًا مدنيًا لا مركزيًا مناهضًا للتطرّف، ينسجم في جوهره مع المصالح الأميركية بعيدة المدى، منع عودة الإرهاب، ضبط الفوضى، حماية المكونات، ومنع انهيار سوريا إلى ساحات صراع مفتوحة بلا أفق.
غير أن أهمية كردستان لا تتوقف عند بعدها الأمني وحده، فغنى كردستان بثقافتها السياسية والاجتماعية المناهضة للإرهاب، وتجربتها العملية في تفكيك الفكر التكفيري لا في التعايش معه، وثرواتها الطبيعية، واقتصادها الواسع القابل للتكامل مع الاقتصادين الإقليمي والدولي، يجعل منها شريكًا استراتيجيًا طويل الأمد، لا مجرد حليف ظرفي في معركة عسكرية مؤقتة. وهذا البعد تحديدًا هو ما يلتقي مع منطق الدولة العميقة العصرية نفسها، التي تقيس التحالفات بقدرتها على إنتاج الاستقرار والربح معًا، لا الفوضى والانفجار المؤجل.
في منطق إدارة ترامب، لا تُبنى الشراكات على الشعارات، بل على الجدوى، والكرد، في هذا السياق، يقدّمون نموذجًا نادرًا في الشرق الأوسط، بيئة مستقرة نسبيًا، منفتحة على الاستثمار، رافضة للإرهاب عقيدةً وممارسة، وقادرة على أن تكون جسرًا اقتصاديًا وسياسيًا بين المصالح الأميركية والمنطقة. وهذا ما يفسّر، رغم كل الضغوط الإقليمية ومحاولات الشيطنة والتشويه، لماذا بقيت العلاقة مع قسد والإدارة الذاتية قائمة، ولم تنجح كل محاولات القفز فوقها حتى الآن.
وعليه، فإن النقد الموجَّه لسياسات الدولة العميقة العصرية لا يستهدف موقع الكرد داخل هذه المعادلة، بل يحذّر من وهم اختزال السياسة الدولية بمنطق الربح السريع وحده، دون إدراك أن التحالفات المتجذّرة ثقافيًا وسياسيًا، والمبنية على الثقة المتبادلة والتجربة الميدانية، هي وحدها القادرة على حماية المصالح الاستراتيجية على المدى الطويل. وفي هذا الإطار، لا تمثّل كردستان عبئًا على الاستراتيجية الأميركية، بل أحد عناصر قوتها الصامتة، وخط دفاع متقدم عن العالم في مواجهة الإرهاب بكل أشكاله، وشريكًا لا يمكن تجاوزه في أي تصور جدي لمستقبل سوريا والمنطقة.




