تقاريرمقالات رأي

في ظل المتغيرات وتسارع الأحداث في الشرق الأوسط .. ما المطلوب من الكرد؟

كاردوخ بيكس

ما إن أعلنت الولايات المتحدة التوصل لورقة تفاهم بينها وبين إسرائيل من جهة، وبين إيران من جهة أخرى؛ حتى بدأت تحركات دبلوماسية مكوكية شملت زيارات لكل من رؤساء مصر وقطر والإمارات العربية المتحدة إلى أمريكا؛ بالتزامن مع اجتماع مجموعة الدول السبع، إيذاناً بتغييرات جديدة قد طرأت على ملفات الشرق الأوسط، وتعبيراً عن سياسة ربما تكون جديدة يجري التحضير لها في المنطقة.

يمكننا القول بأن فيم يتعلق بالشرق الأوسط وشمال أفريقيا قبل الحرب مع إيران قد تغير بشكل كبير عنمَ بعد هذه الحرب، خاصة وإن كل طرف من الحرب يتحدث عن نصر استراتيجي قد أضيف إلى رصيده، والكل يتحدث عن إنجازات ومكاسب، الرابح الأكبر فيه قد خسر هيبته العسكرية، وكلف اقتصاده عشرات المليارات.

إيران تضع شروط وكأنها قد انتصرت في هذه الحرب؛ وأمريكا وإسرائيل ترفضان هذه الشروط، وترفعان من سقف مطالبهما، وكِلا الطرفين لم يتمكنا من تحقيق أهدافهم التي أعلنوا عنها.

وورقة التفاهم تلك، التي توصلوا إليها مؤخراً؛ أعلن ترامب يوم الأربعاء بأنه سيعيد قصف إيران مجدداً ما لم توافق عليها. إذ أن احتمال استئناف الحرف وارد بشكل كبير، وقد تكون أكثر حرارة وقوة إن حدث.

كما أن استمرار الحرب على حزب الله اللبناني في جنوب لبنان، واستمرار التصعيد وعمليات الاستهداف لعناصر وقادة ومسؤولي الحزب توضح بشكل لا لبس فيه بأن هذا التفاهم، أو إعلان إيقاف الحرب؛ تستغله إسرائيل، لكسب الوقت ريثما يتم القضاء على ذراع إيران الأقرب استراتيجياً لإسرائيل، ومن ثم استئناف الحرب مجدداً.

إلى جانب ذلك ما ورد من تصريحات على لسان ترامب حول تكليف عناصر الحكومة السورية بقيادة أحمد الشرع بمهمة محاربة حزب الله على الأراضي اللبنانية، والقضاء عليه، وهذا بحد ذاته يحتاج إلى أكثر من مقال للبحث في إمكانية ذلك من عدمه، وما ستجلبه لسوريا، وما سيخلق من تأثيرات على لبنان مستقبلاً.

ترامب جاد في تصريحاته؛ التي قال فيها بأنه هو وأردوغان وغيرهم من قاموا بتعيين الشرع في حكم سوريا، تلك التصريحات التي جاء مضمونها كشرط أساسي لإلغاء عقوبات قيصر عن سوريا، وربما كشرط لتعيينه رئيساً لسوريا، وفي حال موافقة الشرع عليها؛ سيكون قد فتح على نفسه أبواباً من الصعب جداً إغلاقها، وسيدخل في حرب استنزاف تضعف سوريا ولبنان، وقد تدفع إلى إسقاط الشرع في سوريا، لما لحزب الله اللبناني من داعمين في سوريا، كما أن رفضه لطلب ترامب في دخول هذه الحرب ستكون بمثابة دق المسمار الأخير في نعش العلاقات الخارجية السورية الأوربية والأمريكية الوليدة حديثاً.

كِلا الخيارين بمثابة صك انتهاءٍ للشرع في حكم سوريا، فمن يتم تعيينه باتفاقات دولية، عليه الالتزام بها، وإلا فإن من عيّنه سيقيله. ولن تجدي معه تهربه من مطالب من قاموا بتعيينه، وعليه تنفيذها بغض النظر عن تأثيراتها الجيوسياسية. لن تنفعه البراغماتية في هذه الحالة، ولن ينفعه الدعم الخليجي ولا التركي، في ظل الحالة الاقتصادية المتردية، وارتفاع الأسعار، وحالات القتل والخطف، والتصفيات الميدانية للسوريين تحت ذرائع واهية، وكذلك التظاهرات اليومية في المحافظات السورية ضد الحكومة السورية، التي وصلت حتى المطالبة بإسقاط النظام.

بوادر هذه الإقالة وانتهاء حكم الشرع لسوريا قد بدأت تظهر للعلن رويداً رويداً. فالشرع بتصريحه الإعلامي بأن دخوله لـ لبنان لمحاربة حزب الله غير وارد؛ قد لقي الرد المباشر من ترامب، الرد الذي يعكس وجود تعثر في مسار العلاقات والتفاهمات السياسية مع الولايات المتحدة؛ حيث تم إلغاء زيارة الشرع التي كانت مقررة لأمريكا، ولقاء ترامب. إضافة إلى إلغاء دعوة الشرع للمشاركة في قمة مجموعة الدول السبع في فرنسا، ما يشير إلى استمرار التحفظ الدولي على مجريات الأمور في سوريا في مرحلة حكمه، وبالتالي عدم منح دعم سياسي كامل لحكومته.

أضف إلى ذلك ما خصصته وزارة الدفاع الأمريكي (البنتاجون) من ميزانية مشروطة لعام 2027، ووضع قيود على إنفاقها، جاء في مقدمتها مدى نجاح عملية الاندماج بينه وبين قوات سوريا الديمقراطية ومؤسسات الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا، وكذلك التوقف عن التعرض لأبناء طائفة الموحدين الدروز في مدينة السويداء.

كما أن عودة الحديث عن التقارب السوري الإسرائيلي، واستئناف اللقاءات بين الطرفين قد تسرع في عملية التطبيع، والانضمام إلى الاتفاقات الإبراهيمية، التي بدورها قد تخلق المزيد من الأعداء والانشقاقات في صفوف فصائل المرتزقة العاملين تحت سقف وزارة الدفاع السورية.

كل المؤشرات تدل على أن شهر العسل الأمريكي السوري قد انتهى، وبدأ وقت الجد في تنفيذ المطالب الأمريكية الإسرائيلية، والتي بدورها قد تخلق الشرخ بين الشرع وأردوغان، الذي يرى في إسرائيل حجر عثرة أمام تنفيذ أطماعه التوسعية في سوريا، وقد يدفع أردوغان لتغيير سياساته تجاه الشرع، ما قد يعرضه للاغتيال من أقرب عناصره ومرافقيه، أو حتى أحد وزرائه في الحكومة.

عند ربط هذه المتغيرات، والتسارع في الأحداث، والمتطلبات المرحلية لأمريكا وإسرائيل مع تلك التي تخص قوات سوريا الديمقراطية وعملية الدمج، وتخصيص ميزانية لها تحت اسم المجموعات المعتمدة، واللقاء الثلاثي في هولير بين الرئيس نيجرفان بارزاني والجنرال مظلوم عبدي مع توم باراك، وكذلك نقل ما يشبه سوء فهم ترامب لموضوع التحفظ الكردي على السلاح الأمريكي، وعدم إرساله للمعارضين في إيران، وحديث توم باراك عن تلقي ترامب تقارير مضللة عن الكرد بهذا الخصوص. وزيارة الجنرال مظلوم عبدي إلى إيطاليا، واللقاء بمسؤولين رفيعي المستوى، والزيارة إلى فرنسا، وعقد لقاءات في قصر الإليزيه؛ فإنها تشير إلى وجود توجه نحو إعادة ترتيب المشهد السياسي السوري، وكذلك البيت الكردي، وتعزيز مبدأ الشراكة السياسية، والتمثيل الحقيقي لشعوب سوريا، وزيادة دور تلك الشعوب في إدارة الدولة، مع تنامي فرص اللامركزية السياسية، وتوزيع الصلاحيات والموارد، بما قد يمهد لتغييرات سياسية مهمة خلال المرحلة القادمة.

وهنا على الكرد، إن أرادوا أن يكون لهم وزنهم وحجمهم وتأثيرهم، أن يكسبوا الوقت، ويستغلوا المواقف والتغييرات السياسية المتسارعة، وأن يسارعوا في عقد مؤتمر قومي جامع، يشارك فيه كافة الأحزاب والقوى والكتل السياسية الكردية في أجزاء كردستان. وأن يتفقوا على رؤية واضحة، تكون حقوق الكرد وقضيتهم الوطنية في أجزاء كردستان الأربعة؛ متصدرة مخرجات مؤتمرهم، إلى جانب انتخاب قيادة كردية واحدة أو مشتركة، يكون لها هيئة استشارية تقرر مصير الكرد، وتتحدث باسمهم في المحافل الدولية، وتتابع تنفيذ قانون إنقاذ الكرد، وتعمل على إنجاحه، وتؤكد على حق الكرد في التمثيل في المحافل والمنظمات الدولية، وعلى رأسها الأمم المتحدة، ونيل صفة مراقب فيها، كأكبر شعب دون دولة، وإلا لن يرحم التاريخ ولا الأجيال القادمة من الكرد؛ كل من تقاعس أو تهرب أو حال دون عقد هكذا مؤتمر، ولن تعود الفرصة المقبلة إلا بعد قرن من الزمان.

وإلا، فلماذا مازلنا نلقي اللوم على من خان الكرد في اتفاقية لوزان، وحرمهم من حقوقهم في دولتهم، ونحن اليوم نطبق ما جرى وقته، رغم بعض الاختلافات.

 

.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى