هل أُغلِق باب السلام؟ بين نداء إمرالي وجمود أنقرة

من جديد، تعود قضية السلام بين تركيا وحزب العمال الكردستاني إلى واجهة النقاش، ولكن هذه المرة محاطة بقدر أكبر من التشاؤم. فبعد سنوات من الفرص الضائعة، يبدو أن المسار الذي حمل يومًا آمالًا بإنهاء صراع طويل، بات أقرب إلى طريق مسدود، رغم المبادرات التي طُرحت من جانب الحزب.
إعلان عبد الله أوجلان لما سُمّي بـ”نداء السلام والمجتمع الديمقراطي” لم يكن مجرد طرح نظري، بل محاولة لإعادة تعريف الحل من جذوره. الرجل الذي لطالما ارتبط اسمه بالعمل المسلح، دعا بوضوح إلى تجاوز هذا الخيار نحو مشروع سياسي يقوم على التعددية والاعتراف المتبادل. كان ذلك، في نظر كثيرين، تحوّلًا نوعيًا يفتح الباب أمام تسوية تاريخية.
لكن المشكلة لم تكن يومًا في غياب المبادرات، بل في غياب الإرادة السياسية لتحويلها إلى واقع. فبينما قدّم الحزب، وفق روايته، إشارات تهدئة متكررة، لم تظهر الدولة التركية استعدادًا مماثلًا للخروج من المقاربة الأمنية الصرفة. بل على العكس، استمر التشدد، وكأن السلام خيار مؤجل إلى أجل غير مسمى.
تصريحات مراد قريلان الأخيرة، التي تحدث فيها عن توقف عملية السلام فعليًا، لم تأتِ من فراغ. إنها تعبير عن قناعة متزايدة داخل صفوف الحزب بأن ما طُرح من مبادرات، بما فيها نداء أوجلان، لم يُؤخذ على محمل الجد من قبل أنقرة. والأخطر من ذلك، أنها تعكس انهيار ما تبقى من الثقة، وهي العنصر الأهم في أي عملية سلام.
قد تجادل الحكومة التركية بأن الأمن القومي لا يحتمل المجازفة، وأن نزع سلاح الحزب شرط أساسي لأي حوار. لكن هذا الطرح يتجاهل حقيقة بديهية: لا يمكن لنزع السلاح أن يكون نقطة البداية، بل هو نتيجة طبيعية لمسار سياسي حقيقي. فرض الشروط المسبقة، دون تقديم أفق سياسي واضح، يعني عمليًا إغلاق باب التفاوض.
الأمر لا يتعلق فقط بحسابات داخلية، بل أيضًا بسياق إقليمي معقد، خاصة في سوريا، حيث زادت التحولات من حساسية الملف الكردي بالنسبة لأنقرة. ومع ذلك، فإن استخدام هذه التعقيدات كذريعة لتجميد الحلول السياسية لا يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج الأزمة.
في النهاية، لا يبدو أن السلام فشل لأنه مستحيل، بل لأنه لم يُمنح فرصة حقيقية. وبين نداءات تُطلق من السجون وتصريحات تُعلن من الجبال، تبقى الحقيقة الأوضح: دون قرار سياسي شجاع من الدولة التركية، سيظل السلام مؤجلًا، وربما أبعد من أي وقت مضى.




