“الطابو العثماني”..جدل قانوني وإبعاد سيادية للجغرافية السورية

في ظل الجدل المتصاعد حول استخدام الأرشيف العثماني في قضايا الملكية داخل سوريا، يبرز هذا الملف كأحد أكثر القضايا حساسية، لما يحمله من أبعاد قانونية وسيادية واقتصادية في آن واحد. فالسؤال لم يعد مجرد نقاش قانوني حول وثائق قديمة، بل أصبح مرتبطًا بمخاوف حقيقية تتعلق بمستقبل الملكية السورية، وإمكانية التأثير عليها من خلال استدعاء سجلات تعود إلى حقبة الدولة العثمانية.
إن الطابو العثماني، رغم أهميته التاريخية، لا يمكن اعتباره بديلًا عن السجل العقاري السوري الحديث. فبعد سقوط الدولة العثمانية، نشأت منظومات قانونية جديدة، وأُسست قواعد واضحة لتثبيت الملكيات ضمن إطار الدولة السورية. هذه القواعد منحت السجل العقاري الحديث حجية قانونية قوية، بحيث لا يمكن إلغاء أو تعديل أي ملكية إلا عبر القضاء ووفق إجراءات دقيقة ومحددة. وبالتالي، فإن أي طرح يوحي بأن وثيقة عثمانية يمكن أن تُسقط ملكية قائمة بشكل مباشر هو طرح يفتقر إلى الأساس القانوني.
ومع ذلك، لا يمكن تجاهل أن استدعاء الأرشيف العثماني، خاصة فيما يتعلق بسجلات الأوقاف، قد يفتح الباب أمام نزاعات معقدة، خصوصًا إذا تم استخدام هذه الوثائق خارج سياقها التاريخي. وهنا تبرز إشكالية أكبر تتعلق بدور بعض الجهات التي تعمل على جمع أو إعادة تفعيل هذه السجلات، مثل رئاسة الشؤون الدينية التركية، حيث قد يُفهم هذا النشاط، في بعض السياقات، على أنه يتجاوز البعد الإداري أو الديني، ليأخذ أبعادًا مرتبطة بالنفوذ الإقليمي.
إن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في فكرة “نقل الملكية” أو ما يُشاع عن “تتريكها”، بل في احتمال إعادة تشكيل خريطة الملكيات داخل السوق المحلي نفسه. ففي بيئات النزاع وعدم الاستقرار، يمكن للأدوات القانونية أن تُستخدم بطرق تؤدي إلى إعادة توزيع السيطرة الاقتصادية، سواء عبر شراء العقارات، أو إعادة توثيقها، أو الطعن في ملكيات قائمة استنادًا إلى سجلات قديمة. وهذا لا يعني بالضرورة وجود مخطط موحد أو معلن، لكنه يعكس واقعًا يمكن أن يؤدي، في حال غياب الضوابط، إلى إضعاف حقوق المالكين الأصليين.
من هنا، يصبح الحفاظ على الملكية السورية مسألة تتجاوز الأفراد، لتصل إلى مستوى السيادة الوطنية. فالملكية ليست مجرد وثيقة قانونية، بل هي ارتباط بالأرض، واستقرار اجتماعي، وضمان لحقوق الأجيال القادمة. وأي محاولة للالتفاف على هذه الملكية، سواء عبر توظيف التاريخ أو استغلال الثغرات القانونية، تمثل تهديدًا مباشرًا لهذا الاستقرار.
إن التعامل مع الأرشيف العثماني يجب أن يبقى ضمن إطاره الطبيعي كمرجع تاريخي يمكن الاستفادة منه في فهم جذور الملكيات، وليس كأداة لإعادة تعريفها أو فرض واقع جديد. كما أن أي نزاع يتعلق بالملكية يجب أن يُحسم حصريًا ضمن القضاء السوري، ووفق القوانين النافذة، دون تدخل أو تأثير خارجي.
في النهاية، لا يمكن إنكار أهمية التاريخ، لكن لا يجوز أن يتحول إلى وسيلة لتغيير الحاضر على حساب الحقوق القائمة. فالحفاظ على الملكية السورية هو التزام قانوني وأخلاقي في آن واحد، وهو جزء أساسي من حماية الاستقرار والسيادة. وبين الأرشيف والواقع، تبقى الكلمة الفصل للقانون الوطني، الذي يشكل الضامن الحقيقي لحقوق المالكين، والحصن الذي يجب التمسك به في مواجهة أي محاولات للالتفاف أو التغيير.




