مقالات رأي

عاد المـ.ـهجّرون… فمـ.ـتى تـ.ـعود عفرين ؟

محسن عوض الله

لم يكن العاشر من آذار الجاري يوماً عادياً في حياة مئات المُهجّرين من أبناء عفرين. كان ذلك اليوم أقرب إلى موعد انتظره الناس طويلاً، منذ اللحظة التي اضطروا فيها إلى مغادرة مدينتهم تحت وطأة الحرب والنزوح. في صباح ذلك اليوم تحركت قافلة تقل نحو 400 عائلة من مهجري عفرين المقيمين في مناطق محافظة الحسكة، في أول دفعة عودة بعد تفاهمات آذار بين الحكومة السورية في دمشق وقوات سوريا الديمقراطية. لم تكن مجرد حافلات تمضي على الطريق، بل قافلة تحمل معها سنوات من الانتظار والحنين. في كل حافلة عائلة، وفي كل مقعد قصة نزوح طويلة.

سنوات النزوح لم تمر بسهولة. كثير من العائلات تنقلت بين مخيمات ومدن بعيدة عن مدينتها، لكنها لم تفقد يوماً فكرة العودة.كانت عفرين حاضرة في الأحاديث اليومية، في تفاصيل بسيطة مثل الحديث عن البيت القديم، أو عن بستان الزيتون الذي كان ينتظر موسمه كل عام.

على الطريق المؤدي إلى المدينة، كانت الوجوه متجهة نحو النوافذ. بعض الركاب حاول استعادة صورة بيته كما تركه، وآخرون تذكروا أراضيهم أو أشجار الزيتون التي زرعوها بأيديهم.آخرون تحدثوا عن ميدان كاوه الحداد، وعن الأزقة التي كانوا يعرفون تفاصيلها جيداً. الذكريات كانت تسير مع القافلة، كأنها الطريق الحقيقي نحو المدينة.

الأصعب كان شرح هذه الذكريات للأطفال. كثير من الأطفال الذين جلسوا في تلك الحافلات ولدوا في سنوات النزوح، ولم يروا عفرين من قبل. لذلك كان الآباء يحاولون رسم صورة المدينة في خيالهم. شوارعها، مدارسها، أسواقها، والحقول التي تحيط بها.

ورغم كل ما مر بهم من نزوح وتعب، كانت الأحلام بسيطة. كل ما أراده الناس أن يصلوا ويجدوا المدينة كما تركوها، أو على الأقل كما بقيت في ذاكرتهم.

لكن لحظة الدخول إلى عفرين بدت مختلفة عما تخيله كثيرون. المدينة بدت مألوفة وغريبة في الوقت نفسه. الشوارع نفسها، لكن الحياة فيها أقل.

البيوت ما زالت قائمة كجدران صامتة، إلا أن كثيراً منها تعرض للنهب. الأثاث اختفى، والأبواب تغيرت، وبعض البيوت فقدت ملامحها التي يعرفها أصحابها. وقف كثيرون أمام بيوتهم لحظات طويلة، يحاولون التأكد أنهم وصلوا إلى المكان الصحيح.

في القرى المحيطة بالمدينة بدا المشهد أكثر قسوة. الأرض التي كانت مغطاة بأشجار الزيتون لم تعد كما كانت. من يعرف عفرين يُدرك أن شجرة الزيتون ليست مجرد محصول زراعي، بل جزء من حياة الناس. أجيال كاملة عاشت على هذه الشجرة، وكثير من العائلات كانت تعتمد على مواسمها كمصدر أساسي للرزق.

ثماني سنوات مرت منذ احتلال القوات التركية والفصائل المسلحة المتحالفة معها للمنطقة. خلال تلك السنوات تغير الكثير في عفرين؛ في شكل المدينة، وفي حياة أهلها، وحتى في طبيعة مجتمعها. بالنسبة للعائدين اليوم، لم تكن العودة مجرد استعادة بيت أو أرض، بل مواجهة مع واقع مختلف.

ومع ذلك، ورغم كل ما تغير، بقي شعور واحد واضح بين العائدين: أن العودة أفضل من البقاء بعيداً عن المدينة. فالبيت، حتى لو تغيرت ملامحه، أفضل بكثير من المخيم. والأرض، حتى لو أصابتها ما أصابتها، يمكن أن تعود للحياة.

عودة الدفعة الأولى من المهجرين ليست سوى بداية. بداية طريق يأمل كثيرون أن يستمر حتى يعود جميع أبناء عفرين إلى بيوتهم وأراضيهم. فعودة الناس إلى مدينتهم تبقى الطريق الأوضح لاستعادة عفرين لملامحها التي غابت خلال سنوات الحرب.

ما جرى في عفرين خلال ثماني سنوات ترك آثاراً عميقة في المدينة وأهلها. إزالة هذه الآثار لن تكون سهلة، وقد تحتاج إلى وقت طويل. فالمدن، مثل البشر، تحتاج إلى زمن كي تتعافى.

اليوم يقف العائدون أمام مهمة صعبة، مهمة إعادة الحياة إلى مدينة أنهكتها سنوات الحرب. إعادة فتح البيوت، وإعادة الحقول، وإعادة الروح إلى شوارع كانت يوماً مليئة بالحياة.

ربما لن تعود عفرين كما كانت بسرعة. لكن ما يبدو واضحاً أن الطريق نحو ذلك بدأ بخطوة واحدة… عودة أهلها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى