مقالات رأي

بين باريس وحلب .. هل يسقط الجولاني في فخ الأسد؟

محسن عوض الله
منذ سيطرته على مقاليد الأمور بسوريا، تركزت سياسة الرئيس الانتقالي أحمد الشرع على تقديم نفسه للخارج بصورة مختلفة عن تاريخه الجهادي الذي يعرفه الجميع.
كان الهدف الرئيسي للشرع بعد أن هذب لحيته وخلع جلبابه؛ هو الخروج من قائمة الإرهاب العالمي، والظهور بمظهر الزعيم الشاب، والسياسي القادر على تغيير أيدلوجياته المتطرفة، وتقديم تنازلات تمنحه رضا القوى الكبرى.
دبلوماسية الشرع أو الوجه الدبلوماسي الذي حاول أن يظهره الرئيس الانتقالي السوري والجهادي السابق تجاه العلاقات مع القوى الخارجية تزامنت مع وجه آخر أكثر تشدداً ظهر به الشرع وحكومته خلال التعامل مع الأزمات الداخلية السورية، كما حدث في الساحل السوري واللاذقية والسويداء، وأخيراً أحداث حلب التي شهدتها أحياء الأشرفية والشيخ مقصود.
الغريب أن الأحداث العسكرية الأخيرة التي شهدتها الأحياء الكردية في حلب تزامنت مع تقارب دبلوماسي وجلسات مفاوضات شهدتها باريس بين نظام الشرع ودولة الاحتلال الإسرائيلي.
ساعات معدودة فصلت بين طاولة مفاوضات في باريس، تُدار فيها الكلمات بهدوء، وتُوزن العبارات بعناية، وبين شوارع حلب التي كانت تغلي بالخوف والرصاص، حيث تحولت أحياء الشيخ مقصود والأشرفية إلى مسرح مفتوح للاشتباكات والنيران، والقصف الهمجي على المشافي والمدارس والمراكز الحيوية، والمساكن الآهلة بالسكان المدنيين.
في العاصمة الفرنسية، جلس ممثلو حكومة الشرع أمام عدسات الكاميرات، يتحدثون بلغة دبلوماسية ناعمة عن “تنسيق” و”ترتيبات أمنية” و”حل الخلافات” مع دولة الكيان الإسرائيلي، خصوصاً في ما يتعلق بالجنوب السوري في محاولة لتقديم صورة سلطة جديدة قادرة على التفاوض وفتح القنوات وبناء علاقات، ولو مع خصم تاريخي أو عدو محتل مجرم كما هو الواقع.
في الوقت نفسه، وعلى بعد آلاف الكيلومترات، كانت صورة أخرى تتشكل في حلب.
هنا في أحياء الشيخ مقصود والأشرفية، اختفي الشرع بدبلوسيته ومفاوضاته؛ وحضر الجولاني بميليشياته الجهادية ودباباته، غابت الكلمات ولغة الحوار، وحضر صوت الرصاص، وصدى القذائف، وصرخات المدنيين الذين وجدوا أنفسهم فجأة وسط مواجهات في أحياء سكنية مكتظة.
اشتباكات شارك فيها ما يُعرف بالجيش السوري، إلى جانب مجموعات مسلحة سلفية جهادية تدور في فلك السلطة الجديدة، وكان ضحيتها الأولى والأخيرة سكان تلك الأحياء، ومعظمهم من الكرد.
أعادت أحداث حلب ذكريات أليمة عاشها السوريين على مدار أكثر 14 عاماً من عمر الثورة السورية في مواجهة نظام عائلة الأسد، الذي نكل بالشعب السوري على مدار سنوات حكمه التي امتدت لأكثر من نصف قرن، قبل أن تنتهي الأيام ببشار منفياً هارباً معزولاً تلاحقه المحاكم الدولية.
كثيرون من السوريين اعتقدوا أن هذه المشاهد أصبحت من الماضي، وأن سقوط النظام السابق أغلق هذا الباب إلى الأبد. لكن الواقع يقول إن الأدوات ذاتها يمكن أن تعود، حتى وإن تغيّرت الشعارات.
اللافت للأمر أن نظام الشرع الذي لم يمضِ على سلطته المؤقتة سوى عام واحد يمارس نفس سياسات البعث المعزول دون مواربة أو خجل، وكانه يريد السير في نفس طريقه دون أن يدرك أنه يرسم بذلك نهايته الحتمية، وإن الشعب الذى تحمل الأسد عقوداً لن يتحمل الجولاني وجماعته لشهور.
ما جرى ويجري في الشيخ مقصود والأشرفية لم يكن حادثاً أمنياً محدوداً، ولا عملية سريعة يمكن طي صفحتها ببيان رسمي. بل مواجهة دامية في مناطق مأهولة، تركت جراحاً مفتوحة في الذاكرة قبل الجسد.
الأكثر إيلاماً أن هذه الأحداث جاءت في لحظة كان يُفترض أن تكون فيها الحكومة الانتقالية في أمسّ الحاجة إلى كسب ثقة الشارع، وإلى طمأنة السوريين، بكل تنوعهم، بأن المرحلة القادمة ستكون مختلفة فعلاً.
الكرد في حلب، كما غيرهم من السوريين، ليسوا حالة طارئة، ولا عبئاً سياسياً. هم جزء من هذا البلد، وأي تعامل أمني معهم لا يُنتج استقراراً، بل يراكم الخوف ويعمّق الشرخ.
السؤال الآن، هل تتجه سلطة أحمد الشرع إلى السير في الطريق ذاته الذي قاد الأسد إلى نهايته؟ تفاوض مع الخارج، وقمع في الداخل، وتجاهل للألم الشعبي؟
وهل يظن الشرع أو الجولاني أنه يمكن أن يسير على خطي الأسد دون أن يلقي نفس مصيره؟
من يظن أن بإمكانه حكم سوريا بالقوة، بينما يعقد الصفقات على الطاولات الأوروبية، لم يتعلم شيئاً من دروس السنوات الماضية، وعليه أن يراجع دروس التاريخ جيداً فسلوك الطريق نفسه، مهما تغيّرت الوجوه، يقود دائماً إلى النهاية ذاتها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى