مقالات رأي

قـ.ـمع قـ.ـوات الشرع للتـ.ـظاهرات في الساحل بمثابة الرصـ.ـاصة الأخيرة في مصـ.ـداقيته

كمال حسين

بالتفجير الانتحاري الذي أوقعته ما تسمى جماعة أنصار السنة الإرهابية في جامع الإمام علي بن أبي طالب، الجامع الكبير الذي يؤمه في العادة مئات المصلين العلويين لأداء صلاة الجمعة، والواقع بحي وادي الذهب في مدينة حمص وسط سوريا. التفجير الذي قضى بنتيجته عشرات الشهداء والمصابين من أبناء المكون العلوي، حيث من الحري الإشارة إلى أن هجوماً آخر بالقنابل كان قد سبقه في فجر نفس اليوم الجمعة 26/12 على كنيسة مرقد السيدة العذراء في مدينة الزبداني بضواحي دمشق، المدينة التي شهدت أحياءها تفجير كنيسة حي الدويلعة الشهير، وبتراكم عمليات التفجير هذه؛ والتي انطلقت بالتواقت مع وصول سلطات الشرع الإسلامية الراديكالية والإرهابية المتطرفة إلى سدة الحكم في البلاد؛ تكون هذه السلطات قد أمعنت في انتهاج سياسة التواطؤ مع الإرهابيين، وعلى تحريضهم على تبني خطاب التكفير والقتل، وكما التستر على أفعالهم وخططهم الرامية إلى ترويع وتهجير العلويين والدروز والمسيحيين وباقي المكونات، وأن تواصل عمليات القتل بهذا الشكل وبهذه الوتيرة والمكان والتوقيت، واستهداف العلويين على هذا القدر من التركيز؛ يترك في الوعي الجمعي العلوي انطباعاً أكيداً واحداً يتنامى بشكل يومي، ويفيد بأنهم ضحايا حقد كبير.

وواقعون كموضوع في الجغرافيا البشرية على دريئة الاستهداف الإسلاموية التركية، وهذا الحقد والاستهداف لن يلعب دور طلقة الرحمة في رأس دولة سوريا العروبية والمركزية الواحدة؛ بل سيطال أن لم يتوقف حالاً حتى الأمل المتبقي بالدولة الائتلافية الواحدة.

فالحق والواقع يقول: “لن تفق الانتلجنسيا العلوية والمنخرطين منها بالشأن السياسي العام من هول الصدمة خلال وقت قريب، وخاصة تلك الطليعة التي تربت على موسيقى النغمة العروبية، ودخلت إلى ساحة السياسة من بوابة الهم الفلسطيني، ومشروع التحرير والوحدة العربية. لن تغفر لنفسها في لحظة معينة، كما لن تغفر لجيل الرواد من دعاة الاستقلال عن حقبة الوصاية الفرنسية، ومن رافضي فكرة الدولة العلوية التي عايشها العلويون حتى آخر ثلاثينات القرن الماضي، وتخلى عنها لمصلحة الدولة المركزية العروبية المطعمة بالقيم الإسلاموية في دمشق. الأشخاص من أبطال الاستقلال والرموز الوطنية الذين كوفئوا بحذف أسمائهم أخيراً من كتب التاريخ بقرار من أبطال معارك التحرير الجدد، وصناع دولة الأمجاد والفتح والجهاد.

وما يعزز ضراوة المشهد اليوم، ويضيف إليه فصولاً أكثر درامية جاء فصل طحن الإرادة الشعبية الأخير، والذي شهدته مدن وبلدات الساحل السوري، اللاذقية وطرطوس في الأيام الماضية عندما لبت مئات ألوف المحتجين السلميين دعوة رئيس المجلس العلوي الأعلى الشيخ “غزال غزال” إلى الاعتصام في الساحات والميادين؛ للاحتجاج على المجزرة التي وقعت في مسجد حي وادي الدهب، وإلى مطالبة سلطات الأمر الواقع بوضع حد لـ لغة المجازر بحق المواطنين الأبرياء. فإن ما يدعو للذهول تفاصيل مجزرة دوار الأزهري في اللاذقية؛ حيث لا يتخيل أي عقل متابع لمشاهدها أن يكون قد جرى نظير لها في مكان آخر في العالم، أو أن تكون قد جرت بين قوات أمن من نفس الوطن تجاه مجموعات سلمية بالمطلق، لم تردد شعاراً واحداً يطال السلطة القائمة، ولم تستخدم أياً من مبادرات العنف تجاه ما يدعون بعناصر الأمن الذين تحشدوا حول التظاهرة بالمئات.

شعارات تحفز على العمل الوطني المشترك، وإلى دولة اللامركزية السياسية على نمط “الدم السني علينا مانو رخيص”، “الدم العلوي مانو رخيص”، “الدم الكردي”، “الدم المسيحي مانو رخيص”. لكن السلطات الطائفية في هويتها ومشروعها لم تستطع أن تمسك نفسها وتؤجل نزعتها الإجرامية المتوحشة؛ فقد استقدمت إلى موقع الاعتصام في دوار الأزهري نحو عشرة إلى خمسة عشر شخصاً من أحياء تركمانية سنية بعيدة عن موقع الاعتصام، وبدأوا يرفعون شعارات إسلامية وتكفيرية للعلويين، ويافطة واحدة فقط تفيد أنهم من أتباع الإسلام السياسي المتطرف، وتظاهرت قوات الأمن العام بأنها تظاهرة شعبية مضادة، وأنهم يحاولون أبعادها عن الصِدام مع تجمع العلويين ضمن مسرحية كاذبة ومكشوفة.

وفي مرحلة رفع رجال الأمن أحد المسلحين المدنيين على سارية عالية في قلب تجمع العلويين بحجة المراقبة، وبدأ هو نفسه بإثارة الشغب وإطلاق الرصاص في البداية في الجو لإثارة الشغب. وبعدها صار إطلاق النار على المتظاهرين على المكشوف، حينما سمحت مجموعة الأشخاص المتطرفين العشرة للالتحام مع العلويين بحجة الفشل في السيطرة عليهم؛ مما أدى إلى إصابة العشرات بين شهيد وجريح، ضمن مسرحية غبية لاستدراج الشباب المعتصمين إلى استخدام أساليب الفوضى في مواجهة قوات الأمن. والذي حصل بعد ذلك استقدام كافة صنوف الأسلحة بما فيها المدرعات والدبابات ضد الأبرياء، وملاحقة المتظاهرين العلويين في أحياء المدينة، والدخول خلفهم إلى منازلهم ومحلاتهم. حيث قتل بعضهم في بيوتهم مع تحريض مسلحين مدنيين سنة وتركمان استقدموا لهذه الغاية، مع تطور العملية في حيي الفلسطينية والقنينص.

أما لماذا استقدمت قوات الشرع المدرعات والقوة المفرطة لمواجهة معتصمين سلميين عزل من السلاح؛ فلأنها فشلت في البداية بإخضاعهم وفض اعتصامهم عبر القتل باستخدام الأسلحة الخفيفة، ولأن ملحمة من ملاحم مقاومة الشعوب كتبت في دوار الأزهري في ذلك الأحد الخالد، حيث لم ينجح الرصاص الحي، ولم تنجح أعمال القتل التي استمرت على مدى أكثر من ساعة بزحزحة المعتصمين من ساحة الاعتصام، بل واجهوا وكما وعد الشيخ غزال غزال في بيانه “سنواجه بأجسادنا وصدورنا العارية” فقد واجهوا مسلحي ما يسمى بالأمن العام بصدورهم وأيديهم وحجارتهم التي توفرت في المكان. فيما كان الرصاص يحصد دون رحمة في قاماتهم.

فقد مرغوا وجه قوات الشرع بالتراب. الأمر الذي أجبرهم على استقدام قوات جديدة وأسلحة، ما دفع المتظاهرون إلى الفرار من أمام مجنزراتها.

أخيراً نجحت الدبابات في أخذ مكان المعتصمين على دوار الأزهري في اللاذقية، ونجحت همجية الدواعش في ترويع السكان الأبرياء، وحرق سياراتهم وممتلكاتهم، وهي ماضية إلى الآن في تأديبهم. لكن الخبر الذي لا يعد فال خير عليهم فيما هم يستعرضون حظوظهم على عيد رأس السنة الميلادية، الخبر الذي يقول “أجمعت كبريات الصحف العالمية في أبرز الدول أمثال النيويورك تايمز والواشنطن بوست الغارديان والليموند وأمثالها على توثيق الوقائع التي جرت في اللاذقية. في تقاريرها الإخبارية المستقاة عن ثوثيقات الأقمار الصناعية. هذه التقارير التي علق عليها الدكتور وليد فارس بتغطية يقول فيها: “لقد خسرت حكومة الشرع معركة المصداقية والثقة بامتلاكها المؤهلات للإيفاء بالتزاماتها في حماية الأقليات”. لقد أطلقت حكومة الشرع طلقة الرحمة على مصداقيتها في دوار الأزهري.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى