الإدارة الذاتية… السير على حبل مشدود في زمن الانهيارات

حسين عمر
ما تزال تجربة الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا واحدة من أكثر التجارب السياسية تعقيداً وإثارةً للجدل في المشهد السوري الممزق. ومن وجهة نظري، تبدو هذه التجربة كَمَن يسير على حبلٍ مشدود فوق وادٍ سحيق؛ كل خطوة محسوبة، وكل خلل في التوازن قد يعني السقوط. غير أن الاستمرار لم يعد خياراً سياسياً بقدر ما أصبح ضرورة وجودية فرضتها سنوات الحرب، وغياب أي بديل وطني جامع، وتحول المنطقة إلى ساحة صراع مفتوحة بين مشاريع متناقضة وقوى إقليمية ودولية متصارعة.
نشأت الإدارة الذاتية في لحظة انهيار شبه كامل لمؤسسات الدولة، وفي فراغ أمني وسياسي كان مرشحاً لأن تملأه التنظيمات المتطرفة (داعش الإرهابية واخواتها). ولم تكن مجرد إدارة محلية مؤقتة، بل محاولة لبناء نموذج حكم مختلف في بيئة معادية لكل أشكال الاستقرار. وقد لعبت دوراً محورياً في هزيمة تنظيم داعش الإرهابي، ومنعت عودته كقوة مسيطرة، في وقت كانت فيه مناطق واسعة من سوريا والعراق تنهار أمام تمدده. كما نجحت رغم الإمكانات المحدودة في الحفاظ على حدٍّ أدنى من الاستقرار الأمني والخدمي في منطقة أنهكتها الحرب، وسياسة التهميش قبلها.
لكن هذه الإنجازات، على أهميتها، لا تشكّل ضمانة للاستمرار. فالتجربة اليوم تقف في قلب عاصفة من المتغيرات: تصاعد نشاط خلايا داعش في البادية والريف، خاصة بعد وصول ما تسمى هيئة تحرير الشام والفصائل الجهادية المتحالفة معها، كذلك تزايدت الهجمات غير المباشرة عبر مجموعات محلية تعمل كأدوات بالوكالة، ضغط اقتصادي خانق، وتراجع الاهتمام الدولي بالملف السوري لصالح أزمات أخرى. وكل ذلك يجعل مصير الإدارة الذاتية معلقاً بتوازنات هشة، وبشبكة دعم خارجي قابلة للاهتزاز في أي لحظة.
ما يميز الإدارة الذاتية أنها لم تقم على منطق التنازلات المجانية، بل على قناعة بأن الحقوق تُنتزع ولا تُمنح، وأن البقاء يتطلب مزيجاً دقيقاً من الصمود والمرونة السياسية. فهي تخوض معركتها على جبهتين متوازيتين؛ جبهة أمنية وعسكرية في مواجهة التهديدات المستمرة، سواء من التنظيمات الإرهابية أو من القوى الإقليمية المعادية، وجبهة سياسية تحاول من خلالها تثبيت نفسها كفاعل لا يمكن شطبه من أي حل سياسي مستقبلي في سوريا. فالتراجع في هذه اللحظة لا يعني خسارة نفوذ فقط، بل انهياراً كاملاً قد يعيد المنطقة إلى الفوضى.
داخلياً، تمتلك الإدارة الذاتية بنية تنظيمية متماسكة وقوات عسكرية راكمت خبرة طويلة في حرب الاستنزاف ضد الإرهاب. كما تستند إلى قاعدة اجتماعية وقوة بشرية متعددة المكونات، يؤمنون بها، ويدركون أن لا مصير لهم غير هذه الإدارة. رغم أن الكرد يشكلون عمودها الفقري. إلا أن هذه القوة تصطدم بتحديات جدية؛ اقتصاد هش، حصار غير معلن، ضعف الموارد، أزمات معيشية متفاقمة، وتنوع مجتمعي يحتاج إلى إدارة سياسية دقيقة وحساسة لتجنب أي تصدعات داخلية.
إقليمياً، تبدو البيئة أكثر عدائية. فتركيا ما تزال تنظر إلى الإدارة الذاتية بوصفها تهديداً مباشراً لأمنها القومي، وتتعامل معها بمنطق الاستنزاف المستمر، سواء عبر التدخل العسكري المباشر أو عبر دعم مجموعات مرتزقة محلية معادية لها. وفي الوقت ذاته، يُظهر المجتمع الدولي إدراكاً ضمنياً بأن هذا النموذج، رغم بعض العيوب، يبقى أكثر استقراراً من البدائل المطروحة في المنطقة، لكنه إدراك لا يُترجم إلى ضمانات سياسية واضحة.
أما دولياً، فتعتمد الإدارة الذاتية على شراكة عملياتية مع التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة في ملف مكافحة الإرهاب. غير أن هذه الشراكة أثبتت هشاشتها، إذ تخضع لتقلبات السياسة الأميركية وحساباتها الانتخابية والاستراتيجية. وفي المقابل، تواصل بعض الدول الأخرى التعامل مع الإدارة كورقة تفاوض، لا كشريك سياسي، مستخدمة إياها في مساوماتها مع أنقرة ودمشق دون أي استعداد حقيقي للاعتراف بها بشكل أوسع.
في ظل هذه المعطيات، تنفتح آفاق المستقبل على ثلاثة سيناريوهات رئيسية:
الأول، استمرار الوضع الراهن مع اعتراف جزئي وغير مكتمل، حيث تحافظ الإدارة على وجودها مستفيدة من دورها في مكافحة الإرهاب، وقد تحصل ضمن تسوية سورية شاملة على صيغة حكم ذاتي محدود الصلاحيات؛ السيناريو الأكثر ترجيحاً لوجود قوة عسكرية منظمة وخبيرة في مكافحة الإرهاب والحفاظ على السلم الأهلي.
الثاني، اندماج قسري في مؤسسات النظام السوري، في إطار صفقة دولية أو إقليمية، وهو سيناريو يعني تقليص جوهر المشروع مقابل مكاسب إدارية وثقافية رمزية.
الثالث، وهو الأخطر، يتمثل في الانهيار الكامل، سواء نتيجة انسحاب أميركي مفاجئ أو تصعيد عسكري واسع، ما قد يفتح الباب مجدداً أمام الفوضى وعودة التنظيمات المتطرفة بأشكال جديدة.
برأيي، مستقبل الإدارة الذاتية لا يتوقف على قوتها العسكرية وحدها، بل على قدرتها على تعزيز تماسكها الداخلي، وإدارة تنوعها الاجتماعي بعدالة، وبناء علاقات سياسية مرنة دون التفريط بجوهر مشروعها. ومع ذلك، يبقى الخطر الأكبر خارج حدودها، وتحديداً في قرارات القوى الكبرى، وفي مقدمتها واشنطن. فأي تغيير جذري في الموقف الأميركي قد يقطع الحبل الذي تمشي عليه هذه التجربة، ويحوّل السير المتوازن إلى سقوط يصعب تداركه.
في المحصلة، الإدارة الذاتية ليست مشروعاً محلياً عابراً، بل تجربة سياسية تخوض اختبار البقاء في واحدة من أقسى ساحات الصراع في الشرق الأوسط. نجاحها أو فشلها لن يحدد مستقبل شمال وشرق سوريا فحسب، بل سيترك أثراً عميقاً على شكل سوريا المقبلة، وعلى إمكانية بناء نموذج حكم لا يقوم على الإقصاء والعنف وحدهما. ولهذا تحاربها تركيا التي لا تريد رؤية هكذا تجربة على حدودها، وتحاربها القوى القومية والإسلام السياسي كي لا تشيع تجربتها في عموم سوريا، وتتحول الدولة الى شراكة حقيقية بين القوميات والطوائف، وتتعزز الديمقراطية واللامركزية التي يخافونها ويعملون ضدها.




