مقالات رأي

دبلـ.ـوماسية الـ.ـترقب بين القـ.ـاهرة ودمشق

محسن عوض الله

“من دمشق.. هنا القاهرة”.. عبارة خلدها التاريخ منذ خمسينيات القرن الماضي على لسان الإذاعي السوري الراحل عبد الهادي بكّار، الذي عبر بجملة مختصرة موجزة في لحظة سياسية فارقة عن حجم التضامن السوري مع مصر خلال العدوان الثلاثي.

لم تكن الجملة مجرد رسالة عابرة، بل بدت وقتها وكأنها تلخص مساراً كاملاً من التقارب العربي الذي توّج لاحقاً بتجربة “الجمهورية العربية المتحدة” عام 1958، حين اندمجت مصر وسوريا في كيان سياسي واحد، وإن لم يكتب له الاستمرار طويلاً.

لكن ما بقي من تلك التجربة لم يكن قصيراً أو عابراً؛ خاصة أن العلاقة بين البلدين ظلّت محمّلة برصيد تاريخي وشعبي ممتد، انعكس في موجات متتالية من التفاعل الثقافي والإنساني، ظهر بوضوح خلال سنوات الحرب السورية، حين استقبلت القاهرة آلاف السوريين الذين وجدوا فيها مساحة للاستقرار بعيداً عن الحرب الطويلة التي مزّقت بلدهم لأكثر من عقد.

ومع سقوط النظام البعثي في دمشق، وجدت القاهرة نفسها أمام مشهد جديد تماماً، لا يشبه ما سبق.

لم يكن التغيير في سوريا سياسياً فقط، ولم يكن كما توقعه الكثيرون مجرد تغيير في رأس الهرم، بل طال بنية الدولة السورية ذاتها، وتوازناتها الداخلية، وشبكة الفاعلين الذين باتوا يتحركون داخلها.

جاءت سيطرة حركة تحرير الشام بزعامة القيادي الجهادي أبو محمد الجولاني الذي أصبح الرئيس أحمد الشرع على مقاليد السلطة في دمشق أواخر / كانون الأول ديسمبر 2024 ليعيد خلط الأوراق في المنطقة؛ بل ليغير قواعد الشرق الأوسط بشكل كامل خاصة مع الدعم الخارجي الذي تلقاه النظام الجديد سواء خليجياً أو أوروبياً.

من جانبها، لم تتعامل مصر مع التحول السوري بمنطق الرفض أو القبول السريع، بل اختارت مساراً أكثر تحفظاً، حيث دعمت القاهرة مبدأ الانتقال السياسي، والحفاظ على وحدة الدولة السورية ومؤسساتها، لكنها في الوقت نفسه أبقت مسافة محسوبة من السلطة الجديدة، بانتظار ما ستكشفه المرحلة الانتقالية من اتجاهات واضحة.

هذا التريث لا يبدو معزولاً عن السياق الأمني الذي يحكم التفكير المصري؛ خاصة أن القاهرة خاضت مواجهة طويلة مع جماعات الإسلام السياسي والتنظيمات الجهادية، وتنظر بحساسية واضحة إلى أي مشهد إقليمي قد يسمح بإعادة إنتاج هذه التيارات داخل بنية دولة مركزية، خصوصاً مع الحديث عن وجود مقاتلين أجانب داخل التشكيلات المسلحة السورية، وإمكانية دمج بعضهم في مؤسسات الدولة الجديدة.

بدا واضحاً أن القاهرة لا تتعامل مع دمشق من زاوية سياسية فقط، بل من زاوية أمن قومي واسع، يأخذ في الاعتبار طبيعة التكوينات المسلحة، وحدود استقرار المؤسسة العسكرية، ومدى قدرة السلطة الجديدة على فرض سيطرة مركزية فعلية.

وما يثير القلق المصري حيال النظام الجديد في دمشق هو ذلك الدور التركي واسع النفوذ في الملف السوري الذى كان له دور كبير في صياغة المشهد السوري الحالي.

ورغم التحسن النسبي في العلاقات بين أنقرة والقاهرة خلال الفترة الأخيرة. غير أن ملفات مثل الإسلام السياسي، والإخوان المسلمين ما تزال تلقي بظلالها على حسابات الطرفين، ولو بشكل غير معلن.

ومن هنا، يصبح الموقف المصري تجاه دمشق الجديدة مرتبطاً أيضاً بمدى استقلال القرار السوري عن النفوذ الخارجي، وحدود تأثير القوى الإقليمية في صياغة مسار الدولة.

ورغم هذا الحذر، لا تبدو القاهرة في وارد الابتعاد عن الملف السوري. فمصر تنظر إلى سوريا باعتبارها ركناً أساسياً في معادلة التوازن العربي، وأن استقرارها ينعكس بشكل مباشر على الأمن الإقليمي.

كما أن الحضور المصري في دمشق، إن استعاد زخمه، يمنح القاهرة مساحة تأثير في واحدة من أكثر ساحات المنطقة حساسية.

وتشير تقديرات دبلوماسية إلى وجود حِراكٍ هادئ لإعادة تنشيط العلاقات الرسمية، وربما التمثيل الدبلوماسي، لكن القاهرة تتقدم بخطوات بطيئة وحذرة، وتضع الملفات الأمنية في مقدمة الأولويات قبل أي انفتاح سياسي واسع.

في النهاية، تبدو السياسة المصرية تجاه دمشق أقرب إلى إدارة “اختبار طويل” أكثر من كونها قراراً حاسماً بالانفتاح أو التباعد. لا قطيعة، ولا اندفاع؛ فقط مراقبة دقيقة لملامح دولة ما تزال قيد التشكل، بانتظار ما إذا كانت ستستقر على نموذج يمكن التعاطي معه بثقة، أم ستبقى داخل مساحة السيولة السياسية والأمنية التي تحيط بالمشهد حتى الآن.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى