## اللغة الكردية في سوريا… عقود من التهميش بين سياسات البعث وتحديات الحاضر

شكّلت اللغة الكردية لعقود طويلة جزءاً أساسياً من الهوية الثقافية والاجتماعية لملايين الكرد في سوريا، إلا أنها تعرضت لسياسات تهميش ممنهجة منذ وصول حزب البعث إلى السلطة عام 1963، وهي سياسات تركت آثاراً عميقة على المجتمع الكردي وعلى التنوع الثقافي في البلاد بشكل عام.
اعتمد نظام البعث على فكرة القومية العربية كهوية وحيدة للدولة، الأمر الذي أدى إلى إقصاء اللغات والثقافات الأخرى، وفي مقدمتها اللغة الكردية. فخلال سنوات طويلة، مُنع تعليم اللغة الكردية في المدارس الرسمية، كما حُظر إصدار الكتب والمجلات والصحف باللغة الكردية، إضافة إلى التضييق على الأنشطة الثقافية والفنية التي تعبر عن الهوية الكردية.
ولم يقتصر الأمر على الجانب الثقافي فقط، بل امتد إلى سياسات هدفت إلى طمس الوجود الكردي في بعض المناطق، مثل مشروع “الحزام العربي” الذي طُبق في مناطق شمال وشرق سوريا، حيث جرى تغيير أسماء قرى ومناطق كردية ومنع تسجيل الأسماء الكردية في السجلات الرسمية.
كما تعرض كثير من الناشطين والمثقفين الكرد للملاحقة والاعتقال بسبب نشاطهم الثقافي أو مطالبتهم بحقوق لغوية وثقافية، في وقت كانت فيه اللغة الكردية تُستخدم بشكل محدود وفي نطاقات ضيقة داخل المجتمع، بعيداً عن أي اعتراف رسمي.
ومع اندلاع الأزمة السورية عام 2011، برزت مطالب جديدة تدعو إلى الاعتراف بالتعددية القومية والثقافية في سوريا، وإقرار الحقوق اللغوية لجميع المكونات. وفي مناطق شمال وشرق سوريا، شهدت اللغة الكردية حضوراً أوسع في المدارس والمؤسسات والإعلام، ضمن تجربة الإدارة الذاتية التي اعتمدت مبدأ التعليم بعدة لغات.
ورغم التغيرات السياسية التي شهدتها البلاد، لا يزال كثير من الكرد يرون أن اللغة الكردية لم تحصل حتى اليوم على اعتراف دستوري واضح يضمن حمايتها وتطويرها على مستوى الدولة السورية. كما تستمر النقاشات حول شكل الدولة الجديدة، وما إذا كانت ستتبنى مفهوماً حقيقياً للتعددية الثقافية واللغوية، أم ستبقى أسيرة المركزية والإقصاء الذي ساد لعقود.
ويرى كثير من النشطاء والمثقفين الكرد أن السياسات التي تتبعها بعض الجهات في الحكومة المؤقتة الحالية لا تختلف كثيراً عن النهج الذي اتبعه حزب البعث سابقاً تجاه القضية الكردية، خصوصاً فيما يتعلق بعدم الاعتراف الواضح بالحقوق القومية والثقافية للكرد في الخطاب السياسي والدستوري. ويعتبر هؤلاء أن استمرار تجاهل اللغة الكردية وغياب ضمانات دستورية حقيقية لحقوق المكونات يعكس استمرار العقلية المركزية التي حكمت سوريا لعقود، والتي قامت على تهميش التنوع القومي والثقافي بدلاً من احتضانه كشكل من أشكال الغنى الوطني.
كما يشير منتقدون إلى أن بناء سوريا ديمقراطية جديدة يتطلب القطع مع سياسات الإنكار والإقصاء، والانتقال نحو دولة تعترف بجميع مكوناتها على أساس الشراكة المتساوية، بما يشمل الاعتراف باللغة الكردية كلغة أساسية في البلاد، وضمان حق تعليمها واستخدامها في المؤسسات الرسمية والحياة العامة.
إن حماية اللغة الكردية لا تتعلق بمكون واحد فقط، بل ترتبط بمستقبل سوريا كدولة متعددة الثقافات والهويات. فاحترام اللغات والثقافات المختلفة يشكل خطوة أساسية نحو بناء مجتمع ديمقراطي قائم على المساواة والشراكة، بعيداً عن سياسات التهميش والإنكار التي ساهمت في تعميق الأزمات والانقسامات داخل البلاد.
واليوم، تبدو الحاجة ملحة لفتح حوار وطني شامل حول الهوية السورية الجامعة، بما يضمن الاعتراف بحقوق جميع المكونات، وفي مقدمتها الحق في اللغة والتعليم والثقافة، باعتبارها حقوقاً أساسية لا يمكن فصلها عن قيم المواطنة والعدالة.




