مقالات رأي

وحدات حماية المرأة ومعركة البقاء

 

محسن عوض الله

“يا نساء الكرد” لستن كأحد من نساء الشرق الأوسط”.. جملة لم تكن مجرد صياغة صحفية عابرة، بل كانت صرخة دهشة تملكتني قبل سنوات طويلة، حين بدأت الغوص في تفاصيل القضية الكردية.

كنت أحاول فك شفرات ذلك العالم العصي على الفهم؛ حيث تعيش المرأة الكردية صراعاً مركباً بين مطرقة الحرب وسندان السياسة، في جغرافية تحاصرها الجبال والحدود المغلقة.

في بدايات اهتمامي بالقضية الكردية، كانت صور الفتيات الكرديات وهنَّ يحملنِّ السلاح تثير في نفسي تساؤلاً مُرْبِكاً. ملامحهن الهادئة، التي تشبه طالبات الجامعات في صبيحة يوم دراسي، كانت تتناقض تماماً مع خشونة البارود. كان المشهد غريباً على عين نشأت في بيئة ترى الحرب “شأنا ذكورياً خالصاً”، وأن الأنثى خُلِقَتْ لتكون بعيدةً عن لظى الجبهات.

كنت أتساءل بفضول الصحفي: كيف لجميلات في بدايات الشباب أن يتركنَ خلفهنَّ بريق الحياة ليتجهنَّ إلى خنادق الموت؟

لكن، ومع اقترابي المباشر من “وحدات حماية المرأة”، وإجرائي حوارات ساخنة مع قياديات ومقاتلات في قلب الميدان، تيقنت أن المسألة أعمق بكثير من مجرد “بندقية”. لقد تحولت هذه الوحدات من تشكيل عسكري وُلِدَ من رحم الحاجة في 2012، إلى “حالة سياسية واجتماعية” جرفت في طريقها الصورة النمطية للمرأة في الشرق الأوسط كله.

لقد صعدت المقاتلة الكردية إلى مسرح الأحداث العالمي من بوابة كوباني والرقة ومنبج والباغوز وسري كانييه، ولم تكن مجرد “ديكور” في معارك الرجال، بل كانت رأس الحربة التي كسرت غطرسة تنظيم “داعش” الإرهابي. حينها، كان العالم يصفق لـ “النساء اللواتي هزمنَّ الإرهاب”، لكن الداخل الكردي كان يرى فيهن ولادة “عقد اجتماعي جديد”.

اليوم، وبعد الزلزال السياسي الذي ضرب دمشق، وسقوط النظام؛ تواجه هذه الوحدات معركتها الأخطر على الإطلاق. الأزمة هنا ليست عسكرية؛ فمن دحر “الدواعش” لن يعجزه ميدان قتال، بل هي معركة “بقاء وهوية”.

هناك قلق وجودي يسكن “روج آفا” من طبيعة العلاقة مع السلطة الجديدة في دمشق، وهو قلق لا يتعلق بالمناصب، بل بالخوف من ضياع تضحيات عقدٍ من الزمان.

ما يثير الريبة في أروقة السياسة اليوم هو مصطلح “الدمج” الذي تروج له حكومة دمشق ذات الخلفية (المحافظة). وفي العُرف الكردي، “الدمج” يعني “الذوبان”، يعني تحويل تجربة إنسانية واجتماعية فريدة إلى مجرد أرقام عسكرية في دفاتر وزارة الدفاع السورية.

ولهذا، نجد الحِراك النسوي في شمال وشرق سوريا، يرفع صوتاً مغايراً: “نحن لا نبحث عن الدمج.. نحن نطالب بـ الاعتراف”.

الفرق بين الكلمتين كبير؛ بل وكبير جداً، أشبه بالفرق بين الحياة والموت؛ فالدمج هو رصاصة الرحمة على خصوصية هذه الوحدات، بينما الاعتراف هو تثبيت وجودها كقوة وطنية لها رمزيتها السياسية والاجتماعية.

في شوارع روج آفا اليوم، لا نرى مجرد ملصقات، بل نرى استعادة لروح الثورة. المعركة الآن تُدارُ في ساحات الوعي والرواية. البيانات الرسمية لم تعد تتحدث عن “عسكر”، بل عن “ثورة المرأة” و”حماية المجتمع”.

هي محاولة ذكية لنقل القضية من “مربع السلاح” إلى “مربع الحقوق والتمثيل السياسي”.

تدرك الكرديات جيداً أن السياسة لا تعترف بالدموع أو التضحيات، بل بموازين القوى. ومعركتهنَّ الحالية هي “معركة الخوف”؛ الخوف من أن يستيقظنَّ يوماً ليجدنَّ أنفسهنَّ خارج المشهد الذي صنعنه بدمائهن، والعودة إلى “نقطة الصفر” حيث تكون المرأة مجرد تفصيلة مهمشة في دولة ذكورية جديدة.

إنها صرخة بقاء، في زمن يبدو فيه أن “الاعتراف” بالمرأة القوية هو المطلب الأصعب في شرق ما يزال يخشى النساء اللواتي يحملنَّ السلاح والفكر معاً.

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى