ملكية أرضي الكرد موضوع أساسي من ملف الاندماج لشمال وشرق سوريا

يتصدّر ملف ملكية الأراضي الكردية مسار الاندماج، حيث تُناقش أوضاع المتضررين من سياسات “الإحصاء الاستثنائي” و“مشروع الحزام العربي” ضمن لقاءات لجان الاندماج المرتبطة باتفاقية 29 كانون الثاني، مع تأكيد أن استعادة الحقوق تُعدّ جزءاً من التفاهمات الجارية، في حين لم تُحدَّد بعد الجهة أو الآلية الرسمية لمعالجة هذه الطلبات.٦
نقلت وكالة هاوار بأن لجان الدمج المشتركة المكلفة بمتابعة تنفيذ اتفاقية الـ 29 من كانون الثاني بين قوات سوريا الديمقراطية وسلطة الحكومة المؤقتة في سوريا، عقدت سلسلة لقاءات خلال الفترة الماضية، خُصصت لبحث ملفات حقوقية مرتبطة بـإعادة الممتلكات وردّ المظالم للكرد السوريين، وفي مقدمتها آثار مشروع “الحزام العربي” وسياسات “الإحصاء الاستثنائي” لعام 1962.
وبحسب المصادر، ناقشت الاجتماعات آليات إلغاء الآثار القانونية والإدارية لمشروع “الحزام العربي” الذي نُفذ خلال سبعينات القرن الماضي في منطقة الجزيرة وتحديداً على طول الشريط الحدودي مع تركيا في منطقة الجزيرة، وما تبعه من مصادرة مساحات واسعة من الأراضي الزراعية وعمليات توطين سكاني غير متكافئة، إضافة إلى بحث سبل إعادة الأراضي المصادرة إلى أصحابها الأصليين أو تقديم تعويضات عادلة وفق آليات قانونية يتم العمل على صياغتها.
وأكدت المصادر أن جميع الأطراف المشاركة شددت على أن ملف الحقوق والممتلكات يجب أن يُعالج ضمن إطار قانوني وإداري واضح، إلا أن النقاشات لم تحسم حتى الآن الصيغة النهائية للجهة التي ستتلقى الطلبات، أو الآلية التي سيتم عبرها استلام توثيق الملكيات والضرر الواقع على المتضررين.
وفي هذا السياق، أوضحت الجهة المختصة في سلطة الحكومة المؤقتة خلال اللقاءات أن استعادة الحقوق تتطلب من المواطنين الكرد التقدم بطلبات رسمية فردية، والدلائل التي تثبت الملكية أو الضرر، داعية لجان الدمج التابعة لقوات سوريا الديمقراطية والإدارة الذاتية لتوجيه المواطنين نحو الإجراءات المطلوبة، بما يضمن تنظيم الملف بشكل تدريجي.
وتشير المعطيات إلى أن هذا التوجه يفتح عملياً باباً أمام المواطنين الكرد المتضررين للتقدم بطلبات لاستعادة ممتلكاتهم أو توثيق حقوقهم القانونية، في ظل نقاشات مستمرة بين الأطراف حول الإطار التنفيذي الذي سيُعتمد لمعالجة هذه الملفات.
وكان قد صدر خلال العام الجاري المرسوم الرئاسي رقم 13 عن أحمد الشرع، والذي تناول جانباً من تداعيات الإحصاء الاستثنائي لعام 1962 في محافظة الحسكة، حيث نص على إلغاء الإجراءات الاستثنائية المترتبة على ذلك الإحصاء وإعادة الجنسية السورية للمواطنين من أصول كردية الذين حُرموا منها سابقاً، بمن فيهم فئة “مكتومي القيد”، مع إقرار مبدأ المساواة الكاملة في الحقوق والواجبات المدنية.
كما أكد المرسوم على الاعتراف بالمكونات السورية المختلفة ضمن إطار الهوية الوطنية، وعدَّ معالجة آثار الإحصاء الاستثنائي خطوة باتجاه تصحيح أوضاع قانونية تراكمت لعقود. إلا أن المرسوم، وفق ما يراه متابعون حقوقيون، اقتصر على معالجة ملف الجنسية دون أن يتطرق بشكل مباشر إلى ملف استعادة الممتلكات أو التعويضات المالية عن الأضرار السابقة.
وفي المقابل، تؤكد الأطراف المنخرطة في نقاشات لجان الدمج أن الهدف من فتح هذا الملف هو الوصول إلى تسوية قانونية تدريجية تحفظ حقوق جميع الأطراف، وتؤسس لمرحلة جديدة من الاستقرار القانوني والاجتماعي، عبر آليات واضحة لتقديم الطلبات، وتوثيق الملكيات، ومعالجة حالات النزاع وفق أطر مؤسساتية.
وبينما يستمر النقاش حول التفاصيل التنفيذية، يُنظر إلى فتح باب تقديم الطلبات على أنه خطوة أولى نحو معالجة واحدة من أكثر القضايا تعقيداً في ملف الحقوق الكردية في سوريا، في وقت تتجه فيه الأنظار إلى نتائج الاجتماعات المقبلة التي يُنتظر أن تحدد شكل الآلية القانونية النهائية للتنفيذ.
ما مطالب الكرد منذ انطلاق هذا المشروع وحتى اليوم بعد سقوط النظام البعثي؟
يطالب الكرد منذ سقوط النظام البعثي أواخر عام 2024، بـ: “إلغاء آثار مشروع الحزام العربي قانونياً وإدارياً، إعادة الأراضي المصادرة إلى أصحابها الأصليين أو تعويضهم بشكل عادل، حل ملف “الغمر” بطريقة لا تخلق ظلم جديد (حل عادل لا انتقامي)، إعادة الاعتبار للتاريخ السكاني الحقيقي للمنطقة، ضمان الحقوق القومية للكرد في الدستور السوري الجديد، الاعتراف باللغة والهوية الكردية كشريك أساسي في سوريا، اعتماد نظام حكم يضمن اللامركزية أو صيغة إدارة ذاتية تحفظ حقوق المكونات”.
ما هو مشروع الحزام العربي؟
يُعدّ “الحزام العربي” أحد أبرز المشاريع ذات الطابع السياسي–الديمغرافي التي نُفذت في سوريا خلال سبعينات القرن الماضي، في إطار سياسات الدولة آنذاك في المناطق الشمالية والشمالية الشرقية، خصوصاً على امتداد الشريط الحدودي مع تركيا. ويرتبط المشروع في الأدبيات السياسية والحقوقية بمحاولات إعادة تشكيل البنية السكانية في مناطق ذات غالبية كردية تاريخياً، عبر إدخال تغييرات واسعة على أنماط الملكية والاستقرار السكاني.
ويقوم المشروع، وفق حقائق وتوصيفات تاريخية، على إنشاء شريط سكاني عربي يمتد بمحاذاة الحدود الشمالية، من خلال توطين عائلات عربية في قرى ومناطق ذات غالبية كردية، بالتوازي مع إجراءات طالت الملكيات الزراعية للسكان المحليين، وتقييد توسعهم العمراني والاقتصادي.
وقد جرى تنفيذ هذه السياسات بشكل أساسي خلال الفترة الممتدة بين عامي 1973 و1976، في عهد الرئيس الراحل حافظ الأسد، وبإشراف مؤسسات الدولة الإدارية والأمنية.
وتم تنفيذ المشروع عبر مصادرة مساحات واسعة من الأراضي الزراعية العائدة لسكان محليين، وإنشاء قرى جديدة عُرفت لاحقاً بـ “قرى الغمر” أو “القرى النموذجية”، إلى جانب نقل وتوطين عائلات عربية من مناطق مختلفة، خصوصاً من الرقة وحلب، ومنحهم أراضٍ وامتيازات سكنية وزراعية.
كما ترافقت هذه الإجراءات مع قيود على تسجيل الملكيات أو التوسع العمراني في بعض المناطق ذات الغالبية الكردية.
وبحسب تأكيدات كردية وحقوقية، أدت هذه السياسات إلى تغييرات عميقة في البنية السكانية والاقتصادية في المنطقة، شملت فقدان آلاف العائلات الكردية لأراضيها الزراعية ومصادر رزقها، وخلق اختلالات اجتماعية نتيجة التغيير الديمغرافي، إضافة إلى تراكم شعور بالتمييز والحرمان لدى السكان المتضررين، مع امتداد آثار هذه السياسات لعقود لاحقة.
وفي السياق السياسي، يُنظر إلى “الحزام العربي” لدى الكرد على أنه جزء من سلسلة سياسات متراكمة شملت أيضاً إجراءات مثل الإحصاء الاستثنائي لعام 1962 في محافظة الحسكة، وما ترتب عليه من حرمان آلاف الكرد من الجنسية السورية.
ويرَون أن هذه الإجراءات مجتمعة أسست لواقع من التهميش القانوني والاجتماعي والاقتصادي في مناطقهم.
من هم “الغمر”؟
يُقصد بـ “الغمر” في شمال وشمال شرق سوريا العائلات العربية التي جرى توطينها في مناطق ذات غالبية كردية، خاصة في محافظة الحسكة، في عهد حزب البعث، حيث تم جلبهم من الرقة والطبقة ودير الزور وريف حلب عبر مشاريع توطين وإسكان مرتبطة بما عُرف لاحقاً بـ “الحزام العربي”، ولم يأتِ هؤلاء بمحض إرادتهم الفردية في كثير من الحالات بل ضمن قرارات وإجراءات إدارية ورسمية، وهدفت تلك السياسات بحسب توجهات الدولة آنذاك إلى تعزيز السيطرة الأمنية على الشريط الحدودي مع تركيا، وإعادة تشكيل البنية السكانية في مناطق حساسة استراتيجياً وزراعياً، وهو ما بقي لاحقاً موضع جدل سياسي واجتماعي واسع بين المكونات المحلية، ولدفع إلى اقتتال داخلي بين الكرد والعرب.




