لن يطفئوا شعلة نوروز

محسن عوض الله
لم يكن عيد نوروز هذا العام مناسبة عادية في سوريا، بل كان يُفترض أن يكون علامة فارقة في تاريخ البلاد، وبداية صفحة مختلفة في علاقة الدولة مع مكوناتها الثقافية والاجتماعية. فبموجب المرسوم الرئاسي الصادر في 16 يناير 2026، جرى اعتماد نوروز عيدًا قوميًا، في خطوة بدت وكأنها اعتراف متأخر، لكنه مهم، بتنوع سوريا وثرائها، ومحاولة لطي صفحات طويلة من الإنكار والتهميش.
بالنسبة لكثير من الأكراد السوريين، لم يكن القرار مجرد إجراء رسمي، بل لحظة انتظار امتدت لعقود. عقود حُرموا خلالها من أبسط حقوق التعبير عن هويتهم، من لغتهم إلى احتفالاتهم، بل وحتى من حق الانتماء القانوني الكامل إلى الدولة التي وُلدوا على أرضها. لذلك، لم يكن مستغربًا أن يُنظر إلى نوروز 2026 باعتباره أكثر من عيد؛ كان أشبه بإعلان رمزي عن بداية جديدة.
وجاء هذا التطور في سياق سياسي بدأ، في ظاهره، مهيأً لمثل هذه اللحظة. فالاتفاق الأخير بين قوات سوريا الديمقراطية والحكومة في دمشق خلال فبراير الماضي، حمل مؤشرات تهدئة، وفتح الباب أمام مشاركة أوسع لمكونات لم تكن حاضرة في مواقع القرار. وكان تعيين شخصية كردية في موقع قيادي بوزارة الدفاع سابقة لافتة، قرأها كثيرون باعتبارها خطوة نحو إعادة تشكيل العلاقة بين المركز والأطراف على أسس مختلفة.
لكن، وكما جرت العادة في المشهد السوري المعقد، لم تمضِ الأمور في الاتجاه الذي كان يُؤمَل. فبينما كانت المدن ذات الغالبية الكردية، وعلى رأسها عفرين، تستعد لاستقبال نوروز بأجواء احتفالية، بدأت ملامح توتر تتشكل على الأرض، في مشاهد بدت وكأنها محاولة متعمدة لإفساد اللحظة.
ما جرى في عفرين لم يكن مجرد حوادث عابرة. الاستفزازات التي طالت رموزًا كردية في الشارع، وإجبار سيارات على المرور فوقها، لم تكن أفعالًا عشوائية يمكن فصلها عن سياقها. هي رسائل، تحمل في طياتها رغبة واضحة في إعادة إنتاج الانقسام، وإبقاء خطوط التماس النفسية مفتوحة بين مكونات المجتمع.
الأخطر من ذلك، أن الأمور لم تتوقف عند حدود الاستفزاز الرمزي، بل تطورت إلى اعتداءات مباشرة على مدنيين، بينهم شبان ونساء، إلى جانب تخريب ممتلكات خاصة، وترديد هتافات ذات طابع عنصري.
هذه الممارسات، مهما حاول البعض التقليل من شأنها، تعكس هشاشة اللحظة التي تمر بها البلاد، وتكشف حجم التحدي أمام أي مسار حقيقي نحو الاستقرار.
في بلد أنهكته حرب استمرت قرابة خمسة عشر عامًا، لا تبدو مثل هذه الأحداث مجرد تفصيل. سوريا اليوم ليست بحاجة إلى مزيد من التوتر، بل إلى مساحات مشتركة تُبنى فيها الثقة من جديد. وأي محاولة لإشعال الفتنة، مهما كانت محدودة جغرافيًا، تحمل خطر التمدد في بيئة لا تزال قابلة للاشتعال.
السؤال الذي يطرح نفسه هنا: من المستفيد من إفساد لحظة كان يمكن أن تكون جامعة؟ من يملك مصلحة في تعطيل أي تقارب بين السوريين، وفي إعادة إنتاج خطاب الانقسام بدلًا من ترسيخ منطق الشراكة؟ الإجابة قد لا تكون بسيطة، لكن المؤكد أن ما جرى لا يخدم فكرة الدولة، ولا يساعد على تثبيت الاستقرار الذي يتحدث عنه الجميع.
ورغم ذلك، فإن الرهان الحقيقي لا يجب أن يكون على هذه الأحداث بقدر ما يكون على قدرة السوريين أنفسهم على تجاوزها.
قد تُحاول بعض الأطراف تعكير المشهد، وقد تنجح مؤقتًا في إثارة التوتر، لكن ذلك لا يلغي حقيقة أن هناك حاجة عميقة لدى السوريين للخروج من دوامة الصراع. والاعتراف بالتنوع، واحترام الخصوصيات، لم يعد ترفًا سياسيًا، بل شرطًا أساسيًا لأي استقرار مستدام.
لهذا، ربما تكون الرسالة الأهم في كل ما جرى أن شعلة نوروز، رغم كل شيء، لن تنطفئ. ليس لأنها محمية بقرار رسمي، بل لأنها تعبير عن إرادة حياة لدى شعب تعب من الحروب، ويبحث، بأي شكل، عن بداية مختلفة.




