الاندمـ.ـاج دون الـ.ـذوبان: صـ.ـيغة جديدة لـ.ـتقاسم السـ.ـلطة

قاسم عمر
في التجارب الخارجة من الحروب الأهلية، غالباً ما تعني التسويات نهاية القوى المحلية المستقلة وذوبانها الكامل داخل مؤسسات الدولة المركزية. لكن الصيغة المطروحة هنا تقوم على معادلة مختلفة: الدخول إلى بنية الدولة دون الذوبان فيها. الفكرة ليست التخلي عن القوة التي تشكّلت في الميدان، بل إعادة تموضعها في إطار رسمي يمنحها الشرعية والموارد والحماية القانونية، مع الحفاظ على تماسكها الداخلي وقدرتها على الفعل.
أهم نقطة في هذه المعادلة هي الشكل العسكري المعتمد. تحويل التشكيلات القائمة إلى “فرقة عسكرية” كاملة يحفظ التسلسل القيادي كوحدة واحدة، بدلاً من تفكيكها إلى أفراد موزعين على وحدات مختلفة. هذا يعني أن الهرم القيادي، والعلاقات التنظيمية، والعقيدة القتالية تبقى متماسكة كما كانت خلال القتال، لكن تحت مظلة وزارة الدفاع ورواتبها واعترافها القانوني. النتيجة هي جيش بلباس الدولة وعنوانها، لكنه يحتفظ بروابطه الداخلية التي تشكّلت في الخنادق. بذلك يتحقق توازن دقيق: شرعية الدولة من جهة، واستمرارية البنية الذاتية من جهة أخرى.
على المستوى الإداري، يتم تثبيت المؤسسات والموظفين القائمين بدل استبدالهم. حين تنتقل رواتب هذه الكوادر إلى الخزينة المركزية، تتغير معادلة القوة الاقتصادية. التمويل يصبح مسؤولية الدولة، بينما تبقى الإدارة اليومية بيد الكوادر نفسها التي راكمت خبرتها ضمن نموذج الإدارة الذاتية. هذا يخلق وضعاً فريداً: مركز يمول، وأطراف تدير. الشعار والرمز الرسميان يتبعان الدولة، لكن آليات العمل واللغة المستخدمة مع المجتمع المحلي تستمر بروحها السابقة. هكذا يتحول الاندماج الإداري إلى وسيلة لتخفيف العبء المالي عن المناطق، وفي الوقت نفسه تثبيت نمط إدارتها بدل إنهائه.
هذه الصيغة تعكس خياراً استراتيجياً بين طرفين متناقضين. الانفصال الكامل يفتقر إلى مقومات الاستمرار في بيئة إقليمية معقدة، والعودة الكاملة إلى المركز تلغي ما تراكم من مؤسسات وقوة محلية. الحل الوسطي يقوم على التواجد داخل الدولة كجزء منها، لا كطرف تابع لها بالكامل. يتم تقديم الرموز السيادية المطلوبة، مقابل الإبقاء على السيطرة الفعلية على الأرض والمؤسسات والأدوات الصلبة ضمن إطار قانوني معترف به. بهذا يتحول التفاوض من صراع على الوجود إلى تفاوض على شكل الوجود.
في البعد الأمني والاجتماعي، تحويل القوى الأمنية المحلية إلى مؤسسات رسمية يبدل موقعها القانوني من قوة أمر واقع إلى جزء من منظومة القانون نفسها. هذا التحول يمنح عناصرها حصانة وشرعية، ويمنح السكان شعوراً بالاستقرار؛ لأن من يدير الأمن يعرف المجتمع المحلي وتركيبته. مع الاعتراف بالحقوق المدنية، وفتح باب عودة النازحين. يتم إدخال الواقع الذي نشأ خلال سنوات الحرب إلى نص القانون، بحيث لا يكون المستقبل عودة إلى ما قبل الحرب، بل تثبيتاً قانونياً لما بعدها.
المحصلة هي انتقال من منطق السيطرة بالقوة إلى منطق النفوذ بالمؤسسة. السلاح لا يُكسَر ولا يُسلَّم بالكامل، بل يُوضَع داخل إطار دولة يوفر له الغطاء والتمويل والاعتراف.
والإدارة التي نشأت خارج المركز لا تُلغى، بل تُعاد صياغتها لتعمل باسمه وتمويله. بهذه الهندسة يصبح الدخول إلى الدولة وسيلة لحماية المشروع المحلي وتوسيعه، لا لإنهائه.
النجاح هنا لا يُقاس بمن يرفع شعاره أعلى، بل بمن ينجح في تحويل مكاسب الميدان إلى قواعد ثابتة داخل النظام الرسمي. حين تبقى البنية التنظيمية متماسكة، والكوادر الإدارية في مواقعها، والأجهزة الأمنية قائمة لكن بشرعية قانونية، يكون ما حدث إعادة توزيع للسلطة داخل الدولة لا استسلاماً لها. إنها محاولة لصنع نفوذ طويل الأمد عبر المؤسسات، بحيث يصبح ما كان استثناءً مؤقتاً جزءاً دائماً من بنية الحكم.




