مقالات رأي

هل ستدفن اجتماعات “هولير” المرتقبة معاهدة “لوزان”؟

محمود علي
أطلقت تركيا تهديداتها قبل رأس السنة، بدعم أي تحرك لقوات حكومة دمشق ضد قوات سوريا الديمقراطية، في حال لم توقِّع على البنود التنفيذية لاتفاقية 10 مارس/ آذار. رغم أن سلطة أحمد الشرع من تتهرب من هذه البنود بضغط تركي، وهي المرة الأولى منذ بدء الأزمة السورية لم توجِّه تركيا تهديداتها بتدخل مباشر (عملية غزو واحتلال) من قبل قواتها، ما يعكس تغيّراً في الموقف التركي حيال قوات سوريا الديمقراطية والإدارة الذاتية، ويشير إلى تراجع كبير في الدور التركي على الساحة السورية، بفعل متغيّرات عديدة في المشهد السوري عامة، وقوة موقف قوات سوريا الديمقراطية وثباتها على شروطها الأساسية في أي تفاهمات مع دمشق. وكذلك اللغة “الناعمة” من قبل تركيا في الفترة الأخيرة تنمُّ عن ضغوط تتعرّض لها، وصلت لحد “العزلة”، ولم يترك خياراً أخر أمامها سوى الانسحاب من سوريا بماء الوجه، أو على الأقل، الحدّ من تهوّراتها وعبثيتها في سوريا.
انتقال التهديد التركي من التدخل إلى ما يشبه “التفويض” لحكومة دمشق، يعد بوصفه إملاءً لا يتجاوز حدود “النصيحة” والترجّي، بعد أن أدركت تماماً أن الساحة السورية باتت عبئاً عليها، ولم تعد ساحتها الرئيسية لتناور فيها، وتكمل تنفيذ مشاريعها الاحتلالية الخاصة بها، على العكس من ذلك، بدأت تدرك جيّداً أن بريقها بدأ يخفُت، ولم تعد اللاعب القوي في سوريا، وتواجه صعوبات جديّة تدفعها إلى إعادة حساباتها من جديد، بما فيها الانسحاب، ولو على مضض، ولكنها تبحث عن مسوّغات تحفظ لها ماء وجهها، والانتقال من التهديد إلى “النصح”، ومن العمل العسكري إلى الانسحاب، كي تستهلكها داخلياً عبر الادعاء أن خطر قوات سوريا الديمقراطية على “أمنها القومي” قد أزيل تماماً، ليرفع أردوغان من رصيده الشعبي المتهاوي.
التنافس الإسرائيلي مع تركيا في المشهد السوري بدوره، انتقل إلى مرحلة صراع مفتوح على كل الاحتمالات، بما فيها المواجهة العسكرية، خصوصاً بعد الاتفاق الثلاثي ما بين اليونان، قبرص وإسرائيل، وتشكيل قوة ردع مضادّة للتمدد التركي في سوريا والبحر الأبيض المتوسط، ومنعها من التنقيب عن النفط والغاز حتى في المياه الإقليمية السورية. ومصر بوصفها إحدى الدول المتوسطية القوية، لها وزنها في المعادلات الإستراتيجية في المنطقة، وانضمامها إلى الحلف اليوناني – القبرصي – الإسرائيلي المضاد لتركيا، يضيّق الحصار البحري والبري على تركيا، ويَحُدُّ من حرية تحرّكها بأريحيّة في مياه المتوسط، التي تحولت إلى منطقة صراع للفيلة، ولا وجود لقوى مثل تركيا فيها، إلا أن ترضخ لشروط وإملاءات اللاعبين الأقوياء، والقبول بالهزيمة، ليس في سوريا فقط، بل في كامل منطقة الشرق الأوسط.
عملت تركيا كل ما في وسعها لمنع وصول قوات سوريا الديمقراطية وحكومة دمشق إلى اتفاقات أساسية، تفضي إلى حل الأزمة السورية، ومنع انزلاق البلاد نحو حرب أهلية لا تُبقي ولا تُذِر. فتركيا تدرك أن تنفيذ بنود اتفاقية 10 مارس/ آذار ستقوّض وجودها الأمني والعسكري والاقتصادي في سوريا، وهو ما بدأت تتلمَّسه حكومة دمشق أيضاً، وخاصة الرئيس “الشرع”، من خلال ميله للتعامل مع محيطه العربي وخاصة السعودية، والإبقاء على شعرة معاوية بينه وبين تركيا.
التوتّرات في القصر الجمهوري، والهجمات المتتالية على أحياء الشيخ مقصود والأشرفية، لعبة تركية هدفها إثارة الزوابع والفوضى في سوريا، لقناعتها أنها السبيل الوحيد لديها في البقاء كلاعب أساسي على الساحة السورية. فرمت بآخر ورقة تمتلكها، وهي الانقلاب على “الشرع” من قبل خلال أدواتها وأذرعها داخل “هيئة تحرير الشام” والفصائل التابعة لها، خاصة بعد فشل الهجمات على أحياء الشيخ مقصود والأشرفية.
دفع شخصية قيادية مثل المدعو “جمال السيد/ أبو أحمد زكور”، والذي ينحدر من حلب ومن المؤسسين لـ”جبهة النصرة”، بالاشتراك مع شخصيتين أخريين أحدهم يدعى “أبو الجماجم”، بعد أن تم الإفراج عنهما من السجن بضغوط من تركيا على “الشرع”، ومن ثم تم فرضهما عليه من قبل تركيا ووضعهما في أماكن قيادية حسّاسة، ما هي إلا لخلط الأوراق واستهداف “الشرع” وبعض القيادات العليا حوله، حيث فُرض طوق من قبل عناصر تابعة لتركيا “العمشات والحمزات” حول القصر الجمهوري، وإطلاق الرصاص بشكل عشوائي، وتفجير في مقر ما كانت سابقاً “للفرقة الرابعة” وقطع الطرقات حول دمشق، ما شكل حالة من الذعر لدى سكان دمشق، كلها تشي بانفلات أمني تعمل عليه تركيا وتفجير الأوضاع في سوريا.
إلا أن معلومات أخرى أفادت بأن الاستخبارات الغربية، بما فيها الأمريكية، الفرنسية، البريطانية والإسرائيلية، تمكّنت من حماية “الشرع” واختطاف ثلاثة من عناصر الاستخبارات التركية، وهو ما يفسّر حالة الاستنفار بين قوات الأمن العام والقوات الخاصة بحماية القصر الجمهوري أيضاً.
في حين أكدت معلومات متقاطعة أن عاصمة إقليم جنوب كردستان “هولير” تستعد لاحتضان الاجتماع بين قائد قوات سوريا الديمقراطية “مظلوم عبدي”، ورئيس الحكومة الانتقالية “أحمد الشرع” بهدف بحث آليات تنفيذ اتفاقية 10 مارس/ آذار.
اختيار “هولير” بديلاً عن دمشق، لم يكن عبثياً، بل جاء بعد التوترات الأمنية الخطيرة التي عاشتها وتعيشها الأخيرة، وهي علامة فارقة في المسار التفاوضي في ظل الرعاية الدولية له، والانتقال من الحالة المحلية إلى الإقليمية والدولية، بعد أن غدت اتفاقية “شبه دولية” وتحظى برعاية دول لها حضورها القوي في سوريا، وهو ما يجعل أي اعتراض تركي لا معنى له، وبالتالي لا تستطيع تركيا فرض شروطها على كل من دمشق أو (قسد). وفي ذات الوقت ستكون الدول الراعية أطرافاً ضامنة لتنفيذ الاتفاقية أيضاً، ويمكن لتركيا والعراق أن تحظيا بدور دول “مراقبة” لا أكثر.
وما يعزّز من مقترح عقد الاجتماع في “هولير”، هو أنها تنقذ حكومة دمشق أيضاً من الإملاءات التركية ويحررها من التعقيدات والعراقيل التي تضعها أمام تنفيذ الاتفاقية. فالمجتمع الدولي بدأ يرى بوضوح أن الاتفاقية هي المخرج الوحيد لدمشق للخروج من عنق الزجاجة، والبدء بمرحلة جديدة، وأولها بناء جيش وطني يعتمد على الكفاءات والولاء للوطن سوريا، وإبعاد كل الشخصيات التي تلطّخت أيديها بدماء السوريين، وخاصة من أدرجتهم بريطانيا على لوائح الإرهاب العالمي، وبالتالي إخضاعهم إلى محاكمات بناءً على ممارساتهم طيلة سنوات الأزمة السورية، أي نزع تلك الورقة من يد تركيا التي طالما كانت تهدّد بها الكرد وقوات سوريا الديمقراطية.
إن ما يبعث على التفاؤل أكثر أن الوفد الكردي المنبثق عن “كونفرانس وحدة الصف الكردي” سيشارك في اجتماعات “هولير”، ما يؤكّد أن حل القضية الكردية سيكون في صلب النقاشات، والدول الغربية ستكون شهوداً على فهم الرؤية الكردية المشتركة المنبثقة عن الكونفرانس لحل القضية الكردية في سوريا.
فهل ستتحول “هولير” إلى بديل عن “لوزان” التي قسَّمت الجغرافيا والشعب الكردي بين أربعة كيانات تتعرّض الآن لهزّات عنيفة، وهل بذرة الثورة التي بدأت تتقد في روجهلاتي/ شرقي كردستان، بعد التصريحات القوية من قادة حزب الحياة الحرة الكردستاني (PJAK)، بأن حلم الكرد في العيش بسلام ونيل حقوقهم قد أصبح قاب قوسين أو أدنى، أم أنها مرة أخرى ستضيع في خضم تصادم المصالح الدولية؟
الثابت أن الكرد باتوا رقماً صعباً لا يمكن تجاوزه بسهولة، أو التعامل معه وفق منطق بداية القرن العشرين، وكل أنظمة المنطقة تعي هذه الحقيقة، بما فيها النظام الحالي في دمشق، وكذلك تركيا، فالبحث عن حلول وتوافقات مع الكرد أفضل من كسب عداوتهم، وقد أثبتت تجارب 15 عاماً في سوريا، أن أي مخاصمة مع الكرد لن تُكسب أحداً نصراً، على النقيض من ذلك، كل من يتحالف مع الكرد يحقق أهدافه ولا يمكن أن يُهزَم أبداً.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى