تقارير

للمرة الثانية خلال شهرين.. أحياء الشيخ مقصود والأشرفية تدحر هجوم مرتزقة تركيا

جاء الهجوم الثاني على أحياء الشيخ مقصود والأشرفية من قبل عناصر السلطة الانتقالية خلال ظرف شهرين، بهدف إعادة خلط الأوراق السياسية والعسكرية، والإخلال بالتوازنات العسكرية على الأرض، إضافة إلى نسف كل التفاهمات العسكرية التي جرت بين الحكومة السورية الانتقالية وقوات سوريا الديمقراطية، خصوصاً في موضوع الاندماج في الجيش السوري المزمع تشكيله.
إن تزامن الهجوم مع زيارة الوفد التركي الذي ضم كلاً من وزيري الخارجية والدفاع ورئيس جهاز الاستخبارات (الميت) لم يكن صدفة، بل كل المؤشرات تؤكد أن الضوء الأخضر بشن الهجوم جاء من وزير الخارجية التركي “حقان فيدان” تحديداً، بهدف الإجهاز على اتفاقية 10 مارس/ آذار.
وكان وزير الدفاع في الحكومة السورية المؤقتة “مرهف أبو قصرة” قد قال بأنهم تلقوا رد قوات سوريا الديمقراطية على المقترحات التي قدموها لها بخصوص الاندماج، وأنهم بصدد دراستها والرد عليها. وحسب التسريبات الإعلامية أنه كان من المتوقع أن تتوجه اللجنة العسكرية التابعة لقوات سوريا الديمقراطية إلى دمشق للتوقيع على اتفاقية الاندماج يوم الخميس، 25 ديسمبر/ كانون الأول الجاري، بموجب التفاهمات التي جرت بين الطرفين في وقت سابق، وبوساطة أمريكية، فرنسية وبريطانية.
ووفق مراقبين أن الهجمات على أحياء الشيخ مقصود والأشرفية هدفها الأول نسف الاتفاقية من أساسها، لأنها لم تحقق الشروط والإملاءات التركية على كل من حكومة دمشق وقوات سوريا الديمقراطية، لجهة فرض رؤيتها بأن تنضم (قسد) إلى وزارة الدفاع السورية بقوام أفراد وليس ككتلة، وأن يتم توزيعها على كل المناطق السورية، وهو ما رفضته (قسد)، رغم أن دمشق أعطت موافقتها الصريحة على المقترح المقدم من قبل (قسد) ولم تمانع من انتشار قواتها في مناطق شمال وشرق سوريا، كذلك لم تعترض على انتشار لواء من وحدات مكافحة الإرهاب (YAT) في معظم المناطق السورية مع قوات التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب. فيما قضية المعابر وعودة مؤسسات الدولة إلى مناطق شمال وشرق سوريا، والمواضيع السياسية الأخرى ظلت مؤجلة إلى وقت آخر ولم يتم البتُّ بها.
إن المقاومة التي أبدتها قوى الأمن الداخلي في أحياء الشيخ مقصود والأشرفية ومعها جميع أهاليها، ضد الهجمة الشرسة عليهم بكل أنواع الأسلحة الخفيفة والثقيلة، بما فيها الدبابات والمدافع وراجمات الصواريخ، والتي استغرقت نحو أربع ساعات، تلك المقاومة كانت كفيلة بإسقاط الورقة التي طالما كانت تهدد بها تركيا تلك الأحياء. حيث كانت تعتقد أنها “الخاصرة الرخوة” ويمكن لها السيطرة عليها خلال ساعات معدودة. ومرة أخرى هزموا على أسوار الشيخ مقصود والأشرفية، ورضخت القوى المهاجمة لقبول وقف إطلاق النار والتهدئة المؤقتة.
وحسب صحيفة الشرق الأوسط،، ونقلاً عن مصادر خاصة لها من واشنطن، أكدت أن المبعوث الأمريكي لسوريا “توماس باراك” وقائد القيادة الأمريكية الوسطى “السنتكوم” الأدميرال “براد كوبر” أجريا اتصالات مع الحكومة السورية وطالبا منها وقف الهجوم على الأحياء ذات الأغلبية الكردية في حلب فوراً. وقال المسؤولان الأمريكيان، حسب الصحيفة، بأنه يجب أن تُوجَّه الجهود نحو محاربة تنظيم “داعش”، معتبرة أنه – أي تنظيم “داعش” – هو المستفيد من هذا “الاقتتال الداخلي”، مشيرة إلى أن “أطرافاً معادية” تحاول استثمار هذه الحرب، في إشارة غير مباشرة إلى تركيا، حسب بعض المحللين السياسيين.
رغم أن الهدنة ما تزال هشة على الأرض، ويمكن أن يعاود المرتزقة شنَّ هجماتهم، حيث عمدوا بعد الهجوم إلى فرض حصار محكم على الأحياء عبر رفع السواتر الترابية ووضع الكتل الخرسانية، ومنع دخول السيارات إلى الأحياء، فقط سمحت للمواطنين بالعبور من معبر واحد وهو المعبر الموجود بين حي السريان والأشرفية، كذلك لم تسمح بإدخال المواد الغذائية، فقط سمحت لبعض أصحاب المحال التجارية بحمل بعض المواد بأيديهم وإدخالها، فإن الهدنة مهدّدة بالانهيار. في حين عمدت مجموعات المرتزقة إلى القيام باعتقالات عشوائية للكرد في الأحياء الأخرى بمدينة حلب، مثلما حصل في حي باب جنين، حيث أوقفوا سيارة (سرفيس) تابع لخط الأشرفية واعتقلوا أربعة مسنين وطالبين. كما استهدفوا جرّافة مدنية كانت تعمل في جمع القمامة قرب منطقة الكاستيلو أيضاً.
من جانبها أكدت الرئيسة المشتركة لأحياء الشيخ مقصود والأشرفية “هيفين سليمان” في تصريح لقناة (8)، بأن المجموعات المسلحة تسمح للسيارات بالخروج من الشيخ مقصود والأشرفية ولا تسمح لها بالدخول، معتبرة أنها “محاولة منهم لإفراغ الحيين”. وقالت إن تلك المجموعات تشدد الحصار، وتعمل على إغلاق كل المنافذ والطرق إلى الحيين.
وأشارت “هيفين سليمان” بأنه “كان من المفترض أن نجتمع مع مجلس محافظة حلب قبل الهجمات”، وأضافت “لكن الهجمات الأخيرة منعت من انعقاده”، لافتة إلى أن “مجلس حلب خاضع للأوامر التركية ولا يملك قراره”.
وفي ردود الفعل على هجوم فصائل تابعة للاحتلال التركي وتعمل تحت راية “وزارة الدفاع السورية” على أحياء الشيخ مقصود والأشرفية، أعربت وزارة الخارجية الأمريكية عن قلقها البالغ إزاء حالة التوتر الأمني والاشتباكات التي شهدتها أحياء الشيخ مقصود والأشرفية بمدينة حلب، بين ما أسمته القوى الأمنية التابعة للسلطة الانتقالية السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، وفق تعبير بيان الخارجية الأمريكية.
وحثت واشنطن كافة الأطراف في حلب على ممارسة أقصى درجات ضبط النفس، مشددة على أن الصدامات المسلحة داخل المدن المكتظّة تهدّد حياة المدنيين، وتقوّض الاستقرار الذي تسعى سوريا لاستعادته بعد رفع العقوبات.
وأكدت الخارجية الأمريكية أن مستقبل سوريا يعتمد على “دمج كافة المكوّنات” ضمن مؤسسات الدولة الرسمية، مشيرة إلى أن التأخير في تنفيذ اتفاقيات الاندماج (مثل اتفاق 10 مارس/ آذار) يخلق ثغرات أمنية تستغلها الأطراف المتربّصة، في إشارة إلى تنظيم “داعش” الإرهابي وتركيا.
وشددت واشنطن على أن أولويتها في شمال سوريا ما تزال تتركّز على منع عودة ظهور تنظيم “داعش”، محذّرة من أن النزاعات الداخلية بين حلفاء الأرض قد تمنح التنظيم فرصة لإعادة تنظيم صفوفه.
وأعادت الخارجية الأمريكية التأكيد على ضرورة حماية الأقليات، وضمان عدم انزلاق الأحداث في حلب إلى صراع طائفي أو قومي، معتبرة أن أمن المدنيين هو “خط أحمر”.
في حين تبدو الأوضاع هادئة في الحيين، وحركة الأسواق هي كالمعتاد، وتتوفر المواد الغذائية والأدوية، يسود بين الأهالي حالة من الشعور بالتفاؤل، بأنهم تمكنوا، وللمرة الثانية، من دحر الهجوم، رغم وقوع بعض الإصابات بين صفوف المدنيين، حيث استشهدت امرأة، وجرح نحو /19/ مدنياً، بينهم أطفال ونساء، في حين أصيب /6/ من أعضاء قوى الأمن الداخلي بجروح. لكن القصف المدفعي والصاروخي تسبب في دمار بعض المنازل والأبنية السكنية والمحال التجارية، حيث كان القصف عشوائياً، وطال دمار كبير مسجد “معروف” وأدى القصف إلى انهيار أجزاء من المئذنة والجدران، إضافة إلى أضرار جسيمة في الأبنية السكنية المحيطة به.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى