آخرى

‏بعد سنة من التخـ.ـريب والعبـ.ـث بالسلم والاستقرار.. لم يعد غير اللامركزية ودولة العلمنة مخرجاً‏


كمال حسين
‏بين صدعٍ يتعمق في الحالة السورية ساعة بساعة بين أنصار الأسلمة والتطرف والإرهاب؛ وما بين الساعين لدولة الفيدرالية الاتحادية الديمقراطية المستندة على الأسس العلمية والتشاركية؛ تكون الأيام الماضية قد طوت تفاصيل صفحة عام مضى من عمر سلطة سمت نفسها بحكومة الشرعية الثورية، حيث أجهزت تحت هذا العنوان على مرتكزات النظام السابق، وبالانتقالية والمؤقتة حين آخر، نفذت تحت حجته تطورات دستورية، وسنت تشريعات وسياسات أفصحت من خلالها عن نوايا صريحة بالتوجه نحو نمط الإمارة الإسلامية.
‏وليس هذا فقط؛ بل حملت حيثيات عام مضى تداعيات وكوارث وطنية واجتماعية، كما أفصحت عن أحقاد مخبأة، وفجرت مجازر ومخاوف لم تكن في الحسبان. كما لم تكن في تصور أحد أن تصل إلى هذا العمق، وأن تقوض كل أسس بناء الدولة الواحدة، الدولة المتوارثة، والتي وُلِدَتْ متمركزة على البعد الواحد، والتفكير الواحد، والثقافة الاستعلائية الواحدة.
‏عام مضى كانت قد استيقظت أغلب أطياف السوريين لتجد نفسها، ومنذ بدايته تحت سلطة أمرٍ واقع، تضمر لهم نهجاً مبيناً يخرجهم من المعادلة الوطنية، ويهدد باقتلاعهم الوجودي من الجغرافيا والتاريخ. حيث لم تتوقف خلاله عمليات القتل والتصفية بحق العلويين والدروز وباقي المكونات، كما لم تهدأ إجراءات الفصل والتسريح من مفاصل الدولة ومؤسساتها؛ لمن هم من خارج مكون العرب السنة الذين يحملون نفس العقلية، ثم سجل متواتر من إطلاق التهديدات المتواصلة التي غايتها مؤازرة الحكومة التركية في شن الحرب على شرق الفرات، وعلى قوات سوريا الديمقراطية. وهو عام التخاذل والتواطؤ على حساب المقدرات الاقتصادية للدولة والمجتمع، أمام المساومات الدولية والإقليمية. والأكثر صفاقة هو التفريط ومقايضة الأرض والمصالح الوطنية العليا مع الخطط الإسرائيلية، ولقاء الإبقاء على كرسي الإسلاميين في الحكم.
‏وإلى ذلك فإن نهج حكومة المتطرفين الإسلاميين لم يودي بجريرة تهوره ببديهيات العمل الوطني فقط؛ بل قَدَّمَ نموذجاً غير مسبوق في تهديد الاستقرار الإقليمي، وتعريض السلم العالمي للخطر الشديد.
‏هو نموذج دولة الإرهاب الداعشية التي لا تحترم حدوداً، ولا تراعي شرعة دولية. وهي في طريقها نحو تأسيس دولة الخلافة الإسلامية في سوريا والعراق. وفي التماهي مع مشروع أردوغان القائم على التمدد التركي، وإعادة أمجاد الإمبراطورية العثمانية البائدة.
‏نعم لم يكن الصدع الذي أحدثته تجربة الحكم خلال سنة خلت ذات تبعات وعواقب اجتماعية بحتة، تناولت بنية المجتمعات المحلية؛ بل بالفعل قد وضعت تحديات بالغة الجدية في مواجهة توازنات الوضع الإقليمي، ولا سيما أمن إسرائيل، ولمصلحة الطموحات التركية، وإلى حدٍ ما الإيرانية.
‏هذه التحديات التي تنطلق عن لازمة الجهاد، وواجب تحرير بيت المقدس؛ الأمر الذي يستتبع موضوعياً جر مصير المجتمعات السورية، وتجمعات الإقليم إلى مواجهة خاسرة أخرى غير متكافئة وجديدة، في وقت تترنح فيه هذه المجتمعات أمام غائلة الجوع والفقر، وتعطل حركة التنمية والتطور.
‏هي فترة قصيرة حقاً لكنها قد أحدثت متغيرات عميقة جداً في المعادلات السياسية التي تتشكل على أساسها مقومات المشهد الوطني، وأخرى أشد عمقاً تركت بصمتها، وستفرض دروسها على ثوابت البناء الفوقي برمته. فليس قليلاً وليس تهويلاً؛ التوقف عند معنى أن تعيش مكونات سورية تسمى زوراً بالأقلوية في ظل حكومة إسلامية جهادية على مدى عام كامل؛ وهي تحلم بالنوم الآمن من استهداف إرهابيين موهومين أن قتلاً في هذا الميدان يعد انتصاراً لقيم عهد غابر، أو التماساً لطريق فردوسي يكتظ بحورياته.
‏وعلى نحو يتصل بحجم الصدمة التي أحدثته ممارسات متطرفين إسلاميين بعد سيطرتهم على السلطة في البلاد؛ هو أن شيئاً واحداً لم يبقَ على حاله، وأن التنافر والانقسام هو سيد الموقف في جميع المسائل والخيارات والمواقف، بدءاً بالمناهج المدرسية المؤدلجة الإسلامية الراديكالية، مروراً بالرموز الوطنية والتاريخية، والتصنيف ضمن خانة الأصدقاء والأعداء؛ وانتهاءً باعتماد النشيد الوطني. وفي حصيلة التراجعات والنكسات خلال عام واحد؛ لم يتوانَ فريق السوريين المحسوب على حكومة الشرع، وبدفع منها، عن تتريك مظاهر الحياة والاقتصاد والثقافة، وعن التمترس معها وخلف مصالحها في رفض خيار الدولة اللامركزية.
‏وبالمقابل، ذهب فريق آخر تحت هول الصدمة ووجع الخوف والقهر والتهميش؛ إلى التعويل على دور إسرائيل ومحور دول التحالف الغربي في إخراس لغة المجازر، ووقف سعير الفزعات وحروب الإبادة.
‏وبالخلاصة، فإن الصدع المتحقق في جسد السلم والاستقرار، والذي يُنْظَرُ له على أنه الإنجاز الوحيد لحكومة التطرف واللون الواحد؛ قد حدث على جميع الأصعدة والحقول، وأن ما انكسر لا يجبر. فما قبل 8 ديسمبر/ كانون الأول ليس كما بعده، وما كان يستلزم مائة عام لإحداثه؛ قد حققته سلطات الشرع خلال عام واحد. وحيث لم يعد من الوارد بعد الآن لعاقل أن يتلفظ بشعارات دولة المركز الواحد، والأمة الواحدة، والثقافة الواحدة، وأن الخيار الوحيد الذي بقي ممكناً لسوريا ما بعد الشرع هو سوريا الديمقراطية العلمانية واللامركزية.


اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى