عندما تُـ.ـعاد كتابة تاريخ حلب مجـ.ـدَّداً من بوّابة الشـ.ـيخ مقصود والأشرفية

محمود علي
تزداد حالة التعقيد والتشابك السياسي، قبل العسكري، في مدينة حلب، لتتحول إلى ساحة تبرز حجم التصادم السياسي والانقسام في المواقف حيال الحالة السياسية، والتي تبدو أن العسكرية كانت نتيجة لها وليست أساساً لها.
التيارات الجهادية والأطراف المرتبطة بجهات خارجية، والتي يرى مشغلوها بأن أي توافق سوري – سوري، على الأقل في الحالة الراهنة ما بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية، تأتي ضد مصالحها وأجنداتها؛ تحاول إعادة ضبطها على إيقاع أصوات قصف الدبابات والمدافع، واستخدام حيي الشيخ مقصود والأشرفية ذريعة في إعادة خلط الأوراق، في محاولة لكسر حالة الضبط والتوازنات عبر أدوات ما تزال تتحرك بمنطق الوصاية والإملاءات التركية.
تعيش حلب (كحكومة) حالة انقسام بين عدة تيارات، تتباين رؤاها حيال الوضع في المدينة ككل. ففيما ما يزال هناك تيار يصر على العمل وفق منطق الوصاية التركية عبر التصعيد العسكري، واستخدام أحياء الشيخ مقصود والأشرفية ذريعة في إعادة ضبط الأوضاع في حلب بما يتناسب مع مصالح الطرف المشغّل لها، فإن بعضها الآخر يدعو إلى التعامل بنوع من المرونة مع الحيين، واعتبارهما جزءاً من المدينة، وأن كل المشاكل العالقة بينهما يمكن حلها بالحوار المستمر.
من خلال تتبع الأحداث يتبين أن محافظة حلب لا تسيطر تماماً على ضبط الفصائل الموالية لتركيا، وهي طرحت منذ البداية سحب السلاح الثقيل من محيط حيي الشيخ مقصود والأشرفية، والالتزام ببنود الهدنة واتفاقية الأول من إبريل/ نيسان الماضي. والهيئة السياسية في حلب، التابعة للرئيس “الشرع” تدرك قبل غيرها أن أي انفلات للأمور في جبهة المواجهة بين الطرفين لن تكون في صالحها، لأنها على يقين بأن أي مواجهة خاضعة لمراقبة ومتابعة دقيقة من قبل قوى دولية فاعلة على الأرض في سوريا، وهي تتجاوز الإملاءات والشروط التركية في الانقلاب على المحدّدات التي وضعتها، ومن المرجح أن تنتهي كل هذه المناورات مع نهاية العام. هذه الأطراف ترى أن استمرار الفوضى العسكرية أعلى كلفة من وقفها وفرض وقائع تُفضي إلى نوع من الهدنة المستدامة، ريثما تصل الأمور إلى خواتيمها، بالتوقيع على بنود اتفاقية 10 مارس/ آذار.
برغم من أن الهدنة ما تزال هشة بين الطرفين، ولم يتوصل الطرفان إلى صيغة مشتركة لعودة الأمور إلى ما قبل الصِدام العسكري، إلا أنه ما تزال هناك حالة من الاستنفار سائدة على خطوط التماس، ما ينذر بالعودة إلى المواجهة في أي لحظة في ظل التصعيد من قبل الفصائل التابعة لتركيا، وتبقى الأمور مفتوحة على احتمالات خطيرة، في ظل إغلاق الطرقات، وفرض حصار مُحكم على الأحياء، وإصرار تلك الأطراف على دفع الأمور نحو الفوضى، في تجاوز فظ ومكشوف على قرارات القيادة العليا في دمشق، وكأن حلب هي ساحة خاصة بها، يحق لها أن تلعب فيها لعبتها الخاصة بها، لتعيد نفسها إلى المشهد السياسي والعسكري، ومن بوابة حلب تحديداً.
في حين ما تزال أصابع الطرفين على الزناد، تدور في الكواليس مفاوضات، ربما شاقة، وهو ما يمكن فهمه من خلال الهدنة المؤقتة، وعدم الذهاب إلى مواجهات شاملة. خطورة المشهد في حلب لا تمكن في قوة المدافع التي يستخدمها كل طرف، حسب قول نابليون، بل في دلالاته السياسية، من خلال محاولة الطرف الموالي لأنقرة فرض أجندات مبهمة وغير واضحة الأهداف والمرامي. فقط تتمحور حول نقطة، إشعال سوريا بدءاً من الشيخ مقصود، لتثبيت مصالحها التي تتعرض لهزات عنيفة في ظل المتغيرات الدولية والإقليمية المتسارعة، وتفقد ما كسبته خلال سنوات تدخلها في سوريا، إن كان عبر أدواتها أو بشكل مباشر بعد عام 2016. وهي – أي تركيا – تحاول أن تطرح نفسها أنها قادرة على إفشال الاتفاق بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية من خلال وكلائها المحليين، الذين يعملون وفق نسق منضبط كما حدّدت ووزّعت لها الأدوار، عبر أسلوب إدارة الفوضى وتوسيعها وتعويمها.
لقد استقطبت حلب اهتماماً دولياً وإقليمياً لافتاً بعد الأحداث التي شهدتها أحياء الشيخ مقصود والأشرفية. التحرك البريطاني بعد الأمريكي والتحذير الصادر عنها، يعد محطة جديرة بالتوقف عندها، وتعد فرملة لمحاولات تركيا العبث بما عملت القوى الدولية على ترتيب صيغة توافق، على الأقل وفق ما تتوافق مع مصالحهم في سوريا خلال هذه المرحلة. وما يقرأ بين سطور التحذير البريطاني، يمكن تأويله في أكثر من اتجاه، ولكن على الأقل يضع محدّدات أساسية أمام حكومة “الشرع” ويقيد “حرية الفوضى” لدى الفصائل الموالية لأنقرة، لتفقد أوراقها السياسية، وبالتالي القدرة على التحرّك عسكرياً على الأرض أيضاً. نزع الشرعية عن قادات تلك الفصائل ووضعها على قائمة الإرهاب البريطانية، أكثر تأثيراً وفعالية من العقوبات الأمريكية ذاتها، إضافة إلى وضع فصائلهم العسكرية ضمن ذات الإطار، يجعل قدرتها على إثارة الفوضى ضعيفة، وأن تعتاش كالسابق اعتماداً على مواقعهم كـ”أمراء حرب” لم تعد لها تلك الفاعلية، بل أصبحت مكشوفة، وباتت تفقد ما كسبته خلال عام ما بعد سقوط النظام البائد.
الحقيقة الجلية الآن أنه لم يعد السلاح وحده يرسم مستقبل سوريا، في ظل انتشار الإرهاب في مناطق عديدة من الجغرافيا السورية، على العكس من ذلك، وبات السلاح يُعاد توجيهه إلى جهة معيّنة بذاتها، وبضغط دولي وإقليمي، وهو ما يقلّص من مساحات المناورة لدى تركيا والفصائل التابعة لها، فإما أن تكون جزءاً من ذاك التحالف، وهو أمر مستبعد في ظل ما يحدث في الشيخ مقصود والأشرفية، أو أن تبقى على الهامش، وتخرج عن القواعد الأساسية للعبة السياسية، ويضع تركيا ومعها وكلاءها خارجها.
إرهاصات التحولات السياسية والعسكرية تحدد مستقبل سوريا السياسي، وهي لا تقل أهمية عن نتائج المفاوضات ما بين حكومة دمشق وقوات سوريا الديمقراطية، بل يُعاد تشكيل المشهد السوري في جزء كبير من تفاصيله في حلب، وتحديداً في الشيخ مقصود والأشرفية. ومع الإنذارات التي وجهتها الدول الفاعلة في سوريا لحكومة “الشرع”، تبقى مسألة الانزلاق إلى مواجهات جديدة ضعيفة، مع تبلور صيغة التوافق الجديدة بين دمشق و(قسد)، ولو بخطوطها العريضة، ما يبعث الشعور بالتفاؤل بالذهاب إلى التهدئة وضبط الأمور، ولو تحت الضغط والاشتراط المحدد بالخطوط الحمراء.
تشكل أحياء الشيخ مقصود والأشرفية أهمية كبيرة في استقرار مدينة حلب وريفها، وأي محاولة لنسف حالة التعايش الموجودة فيها، بالتأكيد ستلقي بتأثيراتها على كامل المجتمعات السورية، وتعمق الأزمة السورية، حتى تصل إلى حالة تلغي فيها وجود الدولة بمعناها الإداري والأمني، وبالتالي لا أحد يستفيد من استمرار حالة اللا استقرار داخل حلب والحيين غير المتربصين بها شراً، وكل الاعتقاد أنهم باتوا خارج معادلة الحل السوري.
الكل في سوريا متفق أن السياسة هي البداية والنهاية لحل كل الأزمات المستعصية على الحل، وأي لجوء إلى الحلول العسكرية في حسم الموقف وتحقيق انتصار ما، أثبت فشله منذ بداية الأزمة السورية وحتى اليوم، والهزائم السياسية خلّفت وراءها هزائم عسكرية أيضاً، وما لم يتم كسبه بالسياسة لن يتم كسبه بالتصعيد العسكري والحروب. وهذه القناعة يجب أن يتمسك بها جميع السوريون.
مثلما تعاقبت الحملات على حلب على مر التاريخ، وصمدت أمامها رغم تكبّدها خسائر كبيرة، لكنها حافظت على كرامتها وإرثها الثقافي، وستبقى كذلك كما عرفها العالم، ولن تركع أمام أهوال الزمان الغادر.




