مقالات رأي

القـ.ـرار تحت سقف التحـ.ـالف الدولي، الحقيقة التي يجب أن نواجهها

د.محمود عباس

كفى شماتة في لحظة تتطلب أعلى درجات الوعي والمسؤولية.

كلُّ من يظنّ أن الاتفاقية تمت برضى كامل من قوات قسد أو الإدارة الذاتية، وبشروط حكومة الجولاني، أو أن تركيا هي الآمرة الناهية في هذا الملف، إنما يقرأ المشهد بسطحيةٍ لا تليق بتعقيدات السياسة الدولية.

فالمعادلات التي تُدار في الشرق الأوسط ليست محلية ولا آنية، بل جزء من هندسة أوسع تعيد رسم خرائط النفوذ، وتُعيد تركيب موازين القوى في العراق وسوريا ولبنان وفلسطين، بل وحتى إيران، وما قد يطال لاحقا تركيا وربما بعض دول الخليج.

نحن هنا أمام مشروع إقليمي يتجاوز التفاصيل اليومية، ولا يمكن فهمه بعينٍ ضيقة أو بعاطفةٍ جريحة.جميعنا نعلم كيف وصل وفد قوات قسد والإدارة الذاتية إلى دمشق، وتحت أي مظلة أمنية وسياسية جرى ذلك، وندرك من يتحكم بمسار الحوارات، ومن يفرض الشروط، ومن يفتح الهوامش أو يضيقها ثم يغلقها متى شاء.

كما نعلم من منع الهيئة الكردية المنبثقة عن كونفرانس قامشلو من المشاركة في الحوارات، ومن لم يسمح للمجلس الوطني الكردي بالحضور، رغم أنه فُرض حضوره سابقا في اجتماع هولير.

هذه ليست تفاصيل عابرة، بل مؤشرات واضحة على أن القرار في هذه المرحلة لا يُدار بإرادة محلية خالصة، بل ضمن معادلات دولية وإقليمية أكبر من الجميع.

وعلينا أن ندرك أن هذه التفاصيل ليست خافية على قيادة إقليم كردستان، ولا على سيادة الرئيس مسعود برزاني، فالقيادة هناك على دراية دقيقة بمجريات الأحداث وتعقيداتها.

وهنا تكمن الحكمة، فإما التعامل مع هذه الوقائع بواقعية سياسية وحكمة استراتيجية تحفظ ما يمكن حفظه، أو الذهاب إلى مواجهة مفتوحة غير محسوبة النتائج، تقودنا إلى نماذج عزلة شبيهة بإيران، أو كوريا الشمالية، أو كوبا، أو فنزويلا، حيث يدفع الشعب الثمن الأكبر. وتاريخ كردستان غارقة في مثل هذه الحالات، من مهاباد إلى ثورة البرزاني الخالد، إلى ما نواجهه اليوم. فالسياسة ليست أمنيات، بل موازين قوى. والخيارات ليست مثالية دائمًا، بل بين الممكن والأسوأ.

المثل الكردي معروف، عندما يقع الثور تكثر السكاكين، وننسى أن الإمبراطوريات لا تتحرك بالعواطف، بل بالمصالح. وتاريخها حافل بصناعة الأدوات، وخلق التحالفات، وتبديل الأصدقاء حين تتبدل الحاجة. من قرأ التاريخ بوعي؛ يدرك أن تعويم شخصيات أو قوى، كما حدث مع أبي محمد الجولاني وهيئة تحرير الشام، لم يكن اعتباطًا، بل لخدمة أهداف مرحلية باتت واضحة. ومثلما رُفع سريعًا، يمكن أن يُسقط بالسرعة ذاتها حين تنتهي وظيفته.

إن ما فُرض على قوات قسد والإدارة الذاتية، ومحاولة تحييد الحراك السياسي الكردي، وخصوصًا الهيئة المنبثقة عن كونفرانس قامشلو، لا يرتبط بقدرات هذه الأطراف أو بضعفها فحسب، بل يتجاوزها إلى مخطط أكبر من الجميع، وأعلى من حكومة الجولاني ذاتها، بل وأوسع من تصريحات المبعوثين الدوليين الذين ينطقون ضمن حدود مرسومة سلفًا.

ومع ذلك، تبقى القضية الكردية حاضرة في المحافل الدولية، من البيت الأبيض إلى الكونغرس، ومن البرلمان الأوروبي إلى عواصم القرار. ليس لأن العالم وقع في حبّ الكرد فجأة، بل لأن قضيتهم تقاطعت مع مصالح دولية كبرى، وأصبحت جزءًا من توازنات المنطقة. وهذه حقيقة سياسية يجب التعامل معها بوعيٍ لا بعاطفة، وبحسابٍ لا بانفعال.

ومن هنا، فإن أخطر ما يمكن أن نفعله اليوم هو الانجرار إلى الشماتة والتخوين المتبادل. السياسي الواعي لا يطعن في أخيه الكردي، ولا يتوهّم أنه الممثل الوحيد للشعب، أو الوصيّ على القضية. لا يملك أحد حق توزيع صكوك الانتماء، أو تجريد الآخرين منه. فالقضية أكبر من الأفراد، وأوسع من الفصائل، وأعمق من الخلافات.

ومن يظن أن الشماتة بالشخصيات السياسية والقيادية الكردية موقفٌ مبدئي أو تصحيحٌ للمسار، فعليه أن يدرك أنه يقدم، بقصد أو بغير قصد، خدمة مباشرة لخصوم القضية. كما أن تكرار سردية “لقد حذرنا سابقًا” أو “قلنا في الماضي” لا يصنع وعياً سياسياً.

فما كان صحيحًا في مرحلة قد يصبح خطأً في أخرى، والعكس كذلك. هذه طبيعة السياسة بأروقتها المعقدة وعالمها المتغير، حيث تتبدل المعادلات بسرعة تفوق الشعارات، وتُفرض الخيارات أحيانًا تحت ضغط الضرورة لا تحت سقف الرغبة.

من لا يفهم هذه الحقيقة سيبقى أسير لحظةٍ جامدة، بينما يتحرك العالم من حوله.

النقد ضرورة، بل هو منهجية صحية حين يكون وسيلة لإضاءة الطريق وفتح باب الحوار، لكنه يتحول إلى معول هدم حين يُستخدم كسيفٍ مسلول يجرح الذات قبل أن يصيب الخصم.

بين النقد البنّاء والتخوين مسافة وعيٍ ومسؤولية.صحيح أن الاتفاقية المعلنة عنها بين قسد والإدارة الذاتية من جهة وحكومة الجولاني من جهة أخرى ليست بحجم طموحاتنا، وأننا خسرنا كثيرًا من المكتسبات، وهذا يؤلمنا جميعاً. نشعر جميعا بوجعٍ في القلب، لا يخفى على أحد. لكن الشماتة لا تُعيد ما فُقد، ولا تُصلح ما انكسر.بل تمنح المتربصين فرصةً لانتزاع ما تبقى بأيدينا من قوة.

لقد توحدت كردستان اليوم على الألم والمواجهة وحمل القضية، وهي لحظة نادرة في تاريخ أمتنا.فإما أن نحوّل هذا الألم إلى طاقة تماسك، أو نجعله معولاً يهدم ما بدأ يتشكل من وحدةٍ وتكامل. الخيار بين أيدينا، أن ننضج سياسيًا، أو نكرر أخطاء الماضي.

القضية الكردية لم تنتهِ، ولن تنتهي بالاتفاقيات أو الانتكاسات. لكنها قد تضعف إن نحن أضعفنا أنفسنا،فلنختلف بوعي، ولننتقد بمسؤولية، ولنجعل من وحدتنا قوةً حقيقية، لا شعارًا يُستنزف في لحظة غضب.فإما أن نكون على قدر المرحلة فنحمي قضيتنا بوعي ووحدة، أو نسمح لخصومنا أن ينتصروا علينا بأصواتنا نحن.

د. محمود عباس

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى