مقالات رأي

التعيينات” في مجلس الشعب السوري… استمرار لسياسة التهميش بحق الكرد وتغاضي عن الحقائق

في الوقت الذي ينتظر فيه السوريون خطوات جدية تفتح الباب أمام حل سياسي شامل ينهي سنوات الصراع ويؤسس لدولة ديمقراطية قائمة على الشراكة والعدالة، تبرز مجدداً سياسات الإقصاء والتهميش من خلال التعيينات الأخيرة لأعضاء ما يسمى “مجلس الشعب السوري”. فبدلاً من الذهاب نحو عملية سياسية حقيقية تضمن مشاركة جميع المكونات السورية في رسم مستقبل البلاد، جاءت هذه التعيينات لتثير تساؤلات واسعة حول مدى تمثيلها لمختلف القوى والمكونات الوطنية، وفي مقدمتها الشعب الكردي.

ويعتبر كثير من المراقبين والفاعلين السياسيين الكرد أن هذه الخطوة لا تختلف كثيراً عن الأساليب التي اتبعتها السلطات السورية على مدى عقود، حيث جرى التعامل مع التمثيل السياسي بوصفه أداة شكلية تمنح الشرعية للقرارات المسبقة، بعيداً عن الإرادة الحقيقية للسوريين. وفي هذا السياق، يرى المنتقدون أن تخصيص أربعة مقاعد فقط للكرد لا يعكس مطلقاً حجمهم السكاني أو دورهم السياسي، بل يمثل استمراراً لنهج التهميش والإقصاء الذي عانى منه الكرد تاريخياً.

لقد كان الشعب الكردي أحد أبرز المكونات التي دفعت ثمناً باهظاً خلال سنوات الأزمة السورية. فمنذ اندلاع الثورة السورية، مروراً بمواجهة التنظيمات المتطرفة وعلى رأسها داعش، قدم الكرد آلاف الشهداء دفاعاً عن مناطقهم وعن سوريا عموماً. كما أسهموا في بناء تجربة الإدارة الذاتية الديمقراطية في روج آفا وشمال وشرق سوريا، التي أصبحت نموذجاً للتعايش المشترك والإدارة التشاركية بين مختلف المكونات القومية والدينية.

ورغم هذه التضحيات والدور السياسي والعسكري والاجتماعي الذي لعبه الكرد خلال السنوات الماضية، ما تزال محاولات تقليص حضورهم السياسي مستمرة. ويرى كثيرون أن الاكتفاء بتمثيل محدود للكرد في المؤسسات التشريعية يبعث برسائل سلبية حول مستقبل الشراكة الوطنية في سوريا، ويعزز المخاوف من استمرار سياسات التهميش في مؤسسات الدولة الأخرى، سواء في المناصب السيادية أو الوزارات أو السلك القضائي والدبلوماسي.

إن الحديث عن بناء سوريا جديدة لا يمكن أن يستقيم دون الاعتراف بحقوق جميع مكوناتها، وفي مقدمتها حق التمثيل السياسي العادل. فالديمقراطية لا تُقاس بعدد المقاعد الممنوحة شكلياً، بل بمدى قدرة مختلف المكونات على المشاركة الحقيقية في صنع القرار الوطني. ومن هذا المنطلق، يطالب العديد من السياسيين والنشطاء الكرد بتمثيل برلماني يتناسب مع الواقع السكاني للشعب الكردي ودوره في الحياة السياسية السورية، معتبرين أن أي صيغة لا تعكس هذه الحقيقة ستبقى ناقصة وغير قادرة على تحقيق الاستقرار الوطني المنشود.

وفي ظل التحديات الكبيرة التي تواجه سوريا، تبدو الحاجة ملحة أكثر من أي وقت مضى إلى مشروع وطني جامع يقوم على الديمقراطية والتعددية واللامركزية السياسية، ويضمن المساواة بين جميع المواطنين دون تمييز. فمستقبل سوريا لن يُبنى على سياسات الإقصاء أو التمثيل الرمزي، بل على شراكة حقيقية تعترف بحقوق جميع المكونات وتمنحها دوراً متكافئاً في رسم ملامح الدولة القادمة.

إن تحقيق العدالة السياسية للكرد ولجميع المكونات السورية ليس مطلباً فئوياً أو خاصاً بمجموعة معينة، بل هو شرط أساسي لبناء دولة مستقرة وديمقراطية قادرة على تجاوز إرث الصراع والانقسام، والانطلاق نحو مستقبل يقوم على المواطنة المتساوية والاعتراف المتبادل والشراكة الوطنية الحقيقية.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى