مقالات رأي

خطـ.ـايا الكرد في سوريا!

محسن عوض الله

قد يبدو العنوان مستفزاً، وربما جارحاً لبعض الأصدقاء، لكنه في جوهره توصيف لواقع ظالم أكثر منه حكماً سياسياً.

نبحث عن “خطايا” الكرد في سوريا التي تجعلهم في مرمي الهجمات العسكرية؛ سواء من تركيا التي تعادي الأكراد بشكل فطري، أو من نظام الشرع الحاكم في دمشق الذي بدأ يدق طبول الحرب خلال الأيام الماضية معلناً نيته المناطق الكردية في شرق الفرات، رغم الاتفاق على وقف إطلاق النار؛ ولكن الاتفاقات عادة لا تتجاوز الحبر المكتوب به.

خطايا الكرد في سوريا ليست جرائم كما قد يعتقد البعض بل اختيارات قاسية فُرضت عليهم في لحظة سورية لا ترحم، اختيارات دفعتهم إلى الصفوف الأولى من النار، بينما كان آخرون يبحثون عن مخارج أقل كلفة، وأكثر براغماتية، ولو على حساب الأرض والدم والسيادة.

حين تمدد تنظيم داعش في الجغرافيا السورية، لم يكن الكرد يبحثون عن بطولة ولا عن دور إقليمي؛ كانوا يدافعون عن بيوتهم، عن قراهم، عن أطفال رأوا الموت أقرب إليهم من الغد.

في كوباني، أرض المقاومة لم تكن المعركة سياسية، بل معركة بقاء بعد أن سقط الشهداء واحداً تلو الآخر، لا لأنهم حملوا مشروعاً انفصالياً كما روج البعض، بل لأنهم رفضوا أن تتحول مدنهم إلى مسالخ بشرية على طريقة داعش.

كانت هذه هي “الخطيئة” الأولى” أن يقاتل الكرد داعش حتى النهاية! لم يفتحوا خطوط تواصل، لم يتركوا ممرات آمنة، ولم يتعاملوا مع التنظيم كورقة تفاوض بل حاربوه كما هو عدواً وجودياً.

ومنذ تلك اللحظة، أصبح الكرد هدفاً مشروعاً لكل من خسر بسقوط “الدولة المزعومة”، أو رأى في داعش أداة يمكن استثمارها.أنقرة التي لم تُخفِ عداءها لأي قوة كردية متماسكة، ودمشق التي يقودها أحد خريجي مدرسة داعش الفكرية وإن اختلف اسم التنظيم، فضلاً عن الآلاف من بقايا التنظيم سواء داخل سجون قسد أو الخلايا النائمة التي ما تزال تتحين فرصة انتقام.

الخطيئة الثانية للكرد جاءت عبر رفضهم القيام بما قام به الشرع في دمشق في سوريا؛ وهو التواصل والتفاوض مع إسرائيل.

كرد سوريا رغم أن الإعلام العربي لم يتوقف على مدار عقود عن وصفهم بالخونة والعملاء لإسرائيل لم يفعلوا ما فعله الرئيس السوري المؤقت أحمد الشرع؛ من التفاوض مع إسرائيل، وتقديم تنازلات صريحة في الجنوب السوري مقابل البقاء في السلطة واستمراره.

الخطيئة الثالثة كانت الثقة بالولايات المتحدة حيث راهن الكرد على شراكة قامت، نظرياً، على محاربة الإرهاب، قاتلوا نيابة عن العالم، وحرسوا سجونه، وأداروا أخطر ملف أمني في المنطقة مخيمات وسجون تضم آلافاً من عناصر داعش وعائلاتهم. ظن الكرد وبعض الظن إثم أن هذا الدور سيُترجم إلى التزام سياسي طويل الأمد، أو على الأقل إلى مظلة حماية. لكن الأيام أثبتت أن واشنطن، ومعها عواصم أوروبية كثيرة، لا ترى في الإرهاب سوى أداة تُحاربه حين يهدد مصالحها، وتغضّ الطرف عنه حين يخدم توازناتها.

تُرِكَ الكرد وحدهم، مرة بعد مرة، في مواجهة تهديدات دمشق مرة، وتركيا مرات، وكأن الدم الذي دُفع كان مجرد تفصيل عابر في حسابات المصالح.

ربما كانت “الخطيئة” الأعمق، إن صح التعبير، أن الكرد أصحاب مشروع ديمقراطي، ويمتلكون إدارة ذاتية استطاعت على مدار سنوات تنظيم أمور شعوب شمال وشرق سوريا في الوقت الذي كانت معظم المحافظات السورية تسودها الفوضى والدمار.

هذه الفكرة الديمقراطية، والحديث عن أخوة الشعوب تتعارض مع ما يستهدفه الغرب من نشر الفوضى بالمنطقة، وإشعال الحرب المذهبية في ظل الصراع مع إيران، فضلا المخطط الدولي تجاه سوريا، والذي سمح لجهادي مطلوب على قوائم الإرهاب الدولية بالوصول لسدة السلطة.

ومع ذلك، فإن ما يُدان به الكرد اليوم، هو ذاته ما سيُحسب لهم غداً. لم يخسروا لأنهم طالبوا بحقوقهم، بل لأنهم اختاروا القتال حين كان القتال واجباً، ورفضوا التفاوض حين كان التفاوض خيانة للضحايا..

اليوم، يدفع الكرد ثمن تلك الاختيارات؛ استهداف عسكري، ضغوط سياسية، تشويه إعلامي، وتهديد دائم من داعش وحلفائه، المعلنين والخفيين.

لكن الحقيقة أبسط وأقسى؛ ليست هذه خطايا بالمعنى الأخلاقي، بل فضائل في زمن معطوب، فضائل كلّفت أصحابها الكثير، لكنها حفظت ما تبقّى من معنى للكرامة في بلد كاد يفقد كل شيء.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى