
شنت إسرائيل ليلة الأربعاء/ الخميس غارات مكثفة على سوريا، استهدفت فيها ثكنات ونقاط عسكرية للجيش السوري، وأوقعت العديد من القتلى والجرحى في صفوفه، في تصعيد عسكري إسرائيلي جديد، له مدلولاته السياسية أكثر من العسكرية، وعلى أكثر من صعيد.
تعددت الروايات حول دوافع إسرائيل لشن هذه الهجمات الجوية القوية والمؤلمة، وكذلك توقيتها، فهناك من يربطها بتعثر المفاوضات بين إسرائيل وسوريا حول توقيع اتفاقية أمنية، وخاصة في الشق المتعلق بالسويداء وفتح ممر إنساني آمن بين السويداء وإسرائيل، وكذلك بالترتيبات الأمنية بخصوص انسحاب قوات “الجيش السوري” من المنطقة الجنوبية التي تشمل محافظات درعا، القنيطرة والسويداء، وسحب السلاح الثقيل، وأن تكون منطقة منزوعة السلاح، وسماح إسرائيل بانتشار الجيش السوري مسافة أقل من 20 كم فقط جنوبي دمشق.
الرواية التي قدمتها وكالة “سانا” السورية بأنها رسمية تقول: “بأن قوات الجيش في منطقة “الكسوة”، جنوبي دمشق نحو 20 كم تقريباً، “عثرت على أجهزة تنصت مموهة قرب جبل المانع”، ما يوحي بأن إسرائيل زرعتها في تلك المنطقة، وهو ما دفع إسرائيل إلى استهدافها بعد أن أدركت أن “قوات الجيش السوري اكتشفتها”. الاستهداف الإسرائيلي للموقع أسفر عن مقتل 6 جنود من الجيش السوري وجرح آخرين، فيما وقعت إصابات أخرى عندما تم استهداف سيارات إسعاف كانت متوجهة لإجلاء المصابين في منطقة “حرجلة”، بحسب “سانا”.
إلا ان اللغز في العملية كشفته وسائل إعلام إسرائيلية، مدّعية بأن التحرك العسكري الإسرائيلي جاء غداة بدء ضباط وخبراء في الجيش التركي بتدريب القوات السورية، وعلى مقربة من الحدود مع إسرائيل، وأن معظم ما تدّعي السلطات السورية أنهم “جنود سوريون في مواقعهم”، لم يكونوا سوى إرهابيين استقدمتهم تركيا وزجت بهم في المنطقة القريبة من إسرائيل، وهو ما اعتبرته إسرائيل تهديداً مباشراً لأمنها.
ما يؤكد صحة الرواية التي ساقتها وسائل الإعلام الإسرائيلية، أن الجيش التركي تعهد بتدريب القوات السورية، وإعادة تأهيله وفق عقيدة شبيهة بعقيدة الجيش التركي، وذلك بموجب التفاهمات التي وُقِّعت بين الجانبين في وقت سابق من هذا الشهر، وهو ليس سراً، بل تفاخرت به سوريا وتركيا معاً، على أنه تطور كبير نحو مأسسة المؤسسة العسكرية، وإعادة بناء قدرات الجيش السوري الجديد، وفق تصريحات صدرت من وزير الدفاع “أبو قصرة”، وكذلك من الجانب التركي أيضاً. والغارة الإسرائيلية على ذات الموقع في 26 أغسطس/ آب الجاري، كانت بمثابة رسالة تحذيرية لتركيا بكف يدها عن تدريب وتسليح الجيش السوري، حيث كان ضباط أتراك يشرفون على تدريبات للقوات السورية ضمن مشروع عملي يحاكي حرباً حقيقية ضد إسرائيل. والمنطقة التي جرت فيها تلك التدريبات هي منطقة لها حساسيتها العسكرية قديماً واليوم أيضاً، حيث كانت على زمن النظام السابق منطقة انتشار الفرقة الأولى، وهي كانت فرقة هجومية تملك معدات وخبرات متطورة، ويُراد إعادة تأسيس وتنظيم تلك القدرات، ولكن على يد الجيش التركي.
وما يعزّز من القناعة أن الجيش الإسرائيلي لم يكن هدفه توجيه ضربة للقوات السورية، بقدر ما وجه رسالة عسكرية قوية إلى الجانب التركي، مفادها أن أي تحركات تركية من شأنها تهديد أمن إسرائيل ستواجَه برد حاسم، بل دحضت الرسالة الإسرائيلية ما أوردته وكالة “سانا”، عبر الإنزال الجوي بأربع مروحيات، بعد قصف بالطائرات الحربية ذات المكان، وفي ذات الساعة.
بعد الإنزال الجوي الإسرائيلي، قالت مصادر سورية إن “الجيش الإسرائيلي استقدم عشرات الجنود وعدداً من معدات البحث بالكسوة بريف دمشق”، إلا أن البحث تركز على تفكيك أجهزة تنصت وتجسس زرعتها تركيا في تلك النقطة العسكرية السورية، وهو ما أكده مسؤول إسرائيلي لـ”العربية”، حيث قال: “الإنزال قرب دمشق كان ضرورياً لأمن تل أبيب.. وفككنا أجهزة تركية للتجسس علينا”. وقيل إن عدداً من الضباط العسكريين الأتراك أيضاً قتلوا في الاستهداف، ولكن الطرفين التركي والسوري لم يذكرا هوية وعدد القتلى وهوياتهم. وما يؤكد أن إسرائيل لم يكن هدفها قتل أعداد من الجيش السوري، هو ما أكده مصدر عسكري سوري لوكالة “سانا”، أنه لم تحدث أي اشتباكات أو احتكاكات بين الجيش السوري والقوات الإسرائيلية.
القصف والإنزال الإسرائيلي جاء في وقت كان الرئيس السوري المؤقت “أحمد الشرع” يشارك في افتتاح دورة معرض دمشق الدولي، حيث حلق الطيران الإسرائيلي فوقه وقصف منطقة لا تبعد سوى عدة كيلومترات عن مكان تواجده، وهي تعتبر رسالة بليغة لها أبعاد سياسية عميقة.
التنافس الذي لم يصل إلى مرحلة الصراع المفتوح بين إسرائيل وتركيا على الجغرافيا السورية، تحول من التصريحات المضادة، إلى نار تكوي السوريين بالدرجة الأولى، فيما السلطات السورية غائبة عن المشهد تماماً وكأن ما يحدث لا يمت لها بصلة، ويبدو أن الدول العربية أيضاً متناغمة مع إسرائيل في عدم السماح لتركيا بالتمدد في سوريا والاستفراد بها، حيث كان من المقرر أن تتولى السعودية والأردن تدريب عناصر الجيش والأمن الداخلي، إلا أن تركيا تحاول الاستحواذ على الكعكة السورية بمفردها، وتفرض عليها شروطاً قاسية، حتى تسعى لعزلها عن محيطها العربي والإقليمي، والحكومة السورية المؤقتة تبدو مكبلة اليدين أمام التوغل التركي بكل أبعاده السياسية، العسكرية، الاقتصادية والأمنية، ولا تستطيع الفكاك من الشروط التي تمليها عليها باستمرار. وهي التي عملت ليل نهار على منع انعقاد اجتماع باريس بين وفد الإدارة الذاتية وحكومة دمشق، وتضغط باتجاه دفع الأخيرة لفتح مواجهة مع قوات سوريا الديمقراطية، رغم قناعتها المطلقة أنها لن تحصد أي نتيجة، بل على العكس ستنعكس سلباً عليها، وهي في قرارة نفسها غير راغبة في الذهاب إلى هذا الخيار، إلا أن تركيا تحرّض الموالين لها ضمن السلطة، وكذلك فصائل المرتزقة الذين مازالوا يأتمرون بأوامرها، يعملون على خلق استفزازات يومية، لزج الحكومة وقوات سوريا الديمقراطية في مواجهة عسكرية غير محمودة العواقب. حتى يعتبر الكثير من السوريين أن وزير الخارجية التركي “حقان فيدان” هو الرئيس الفعلي لسوريا، وهو من يديرها ويتخذ قراراتها في الخلف.
إن لا مبالاة الحكومة السورية، وعدم فتحها المجال أمام مشاركة واسعة في إدارة سوريا، أودى بها إلى هذا الدرك السيء. فبعد قرار أهالي السويداء والقوى السياسية والعسكرية تشكيل كيان شبه منفصل؛ انبرى أهل الساحل أيضاً للسير في هذا الاتجاه، فيما يعوّل الجميع على تنفيذ اتفاق العاشر من مارس/ آذار بين قائد قوات سوريا الديمقراطية “مظلوم عبدي” والرئيس السوري المؤقت “أحمد الشرع” لإنقاذ سوريا مما هي فيه، وتقطع الطريق على كل محاولات تقسيمها، وهذا يتطلب بالدرجة الأولى أن تشرع السلطة الحالية بفتح باب الحوار والتصالح مع كل المكونات السورية، وتحديد علاقاتها مع دول الجوار وجعلها ندية وليست تبعية، وأولها مع تركيا، فإن لم تتدارك اللحظة الراهنة والدقيقة، فإن سوريا مقبلة على سيناريو شبيه بسيناريو يوغسلافيا، وهو ما لا يرغب فيه السوريون على اختلاف انتماءاتهم.